الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

استنفار صحي واقتصادي في فرنسا والعالم: حليب الأطفال الملوث يكشف حدود الثقة في الصناعات الغذائية العالمية

الاقتصاد العالمي | بقش

تعيش فرنسا، ومعها عدد واسع من الدول الأوروبية وخارجها، على وقع أزمة متصاعدة تتعلق بسلامة حليب الأطفال، بعدما قررت السلطات الفرنسية خفض الحد الأقصى المسموح به لمادة “السيريوليد”، وهو سم بكتيري نادر وخطير، ما فتح الباب أمام موجة جديدة من عمليات سحب المنتجات، وأعاد إلى الواجهة أسئلة عميقة حول “سلامة الغذاء”، ومسؤولية الشركات العملاقة، وسيادة الدول على أمنها الصحي، وهشاشة سلاسل التوريد العالمية.

وفقاً لتقارير مرصد “بقش”، تعود جذور الأزمة إلى اكتشاف آثار لمادة “السيريوليد” في مكونات تدخل في صناعة حليب الأطفال، وهي مادة سامة تنتجها بكتيريا “باسيلوس سيريس”، وقد تسبب القيء والإسهال لدى الرضّع، مع خطورة مضاعفة نظراً لحساسية هذه الفئة العمرية وضعف جهازها المناعي، ورغم أن اكتشاف هذا السم يُعد صعباً تقنياً ونادراً مخبرياً، فإن ظهوره في منتجات مخصصة للرضع اعتُبر خطاً أحمر لدى السلطات الصحية.

في الجديد، أعلنت وزارة الزراعة الفرنسية (نهاية يناير المنصرم) عن خفض الحد الأقصى المسموح به من هذه المادة من 0.03 ميكروغرام إلى 0.014 ميكروغرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، أي أكثر من النصف، في خطوة وصفت بأنها وقائية واستباقية، وتتماشى مع التوصيات المحدثة للهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، والتي يُنتظر أن تُنشر رسمياً.

ويؤشر القرار إلى تغيير في فلسفة إدارة المخاطر، من الاكتفاء بالامتثال للمعايير القائمة إلى اعتماد مبدأ “الحد الأقصى من الحيطة” عندما يتعلق الأمر بصحة الأطفال.

واليوم الإثنين، أعلنت فرنسا عن سحب منتجات جديدة على رأسها علامتا “بوبوت” و”فيتاجيرمين” (المالكة لعلامة “بيبي بيو”)، فقد أعلنت الأولى سحب دفعتين من حليب الأطفال للمرحلة الأولى، فيما حددت الثانية ثلاث دفعات إضافية، كانت حتى وقت قريب متوافقة مع المعايير السابقة، لكنها أصبحت غير مطابقة بعد تشديد السقف المسموح به.

اللافت أن الشركات شددت في بياناتها على أن المنتجات المسحوبة لم تكن تشكل مخالفة قانونية عند طرحها في الأسواق، وأن قرار السحب جاء نتيجة تعديل المعايير وليس بسبب اكتشاف جديد للتلوث، في محاولة واضحة لاحتواء القلق العام وحماية السمعة التجارية.

لكن هذا التوضيح لم يمنع اتساع دائرة الشكوك، خصوصاً مع اتساع نطاق الأزمة ليشمل شركات عملاقة مثل “نستله” و”دانون” و”لاكتاليس”، التي اضطرت منذ منتصف ديسمبر 2025 إلى سحب منتجات من عشرات الدول، ما جعل القضية تتجاوز الحدود الفرنسية وتتحول إلى أزمة ثقة عالمية.

نقطة ضعف في منظومة عالمية مترابطة

تتقاطع معظم خيوط الأزمة عند مورد واحد للمكونات الغذائية، وُصف رسمياً بأنه “مورد صيني”، من دون إعلان اسمه، رغم أن شركات متعددة تتعامل معه.

هذا المورد يُنتج زيتاً غنياً بأحماض أوميغا-6، يُستخدم على نطاق واسع في صناعة حليب الأطفال، ويُعتقد أن هذا الزيت هو الحلقة التي تسلل عبرها التلوث البكتيري.

هذا الغموض الرسمي أثار انتقادات داخل البرلمان الفرنسي، حيث اعتبر عدد من النواب أن الامتناع عن تسمية المورد يطرح أسئلة حساسة تتعلق بالشفافية، وبقدرة الدولة على فرض سيادتها الرقابية، وبمخاطر الارتهان لسلاسل توريد بعيدة جغرافياً ومعقدة تقنياً.

كما أعادت الأزمة إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول العولمة الغذائية، حيث تعتمد صناعات حيوية وحساسة، مثل غذاء الرضع، على مكونات تُنتج في دول بعيدة، تخضع لأنظمة رقابية مختلفة، ما يجعل أي خلل صغير قابلاً للتحول إلى أزمة عابرة للقارات.

ولم تبقِ السلطات الفرنسية القضية في إطارها التنظيمي فقط، بل فُتحت تحقيقات جنائية في مدينتي بوردو وأنجيه، عقب وفاة “رضيعين” كانا قد تناولا منتجات حليب أطفال جرى سحبها لاحقاً.

ورغم أن التحقيقات لم تثبت حتى الآن وجود صلة مباشرة بين الوفيات والمنتجات المستهلكة، إلا أن مجرد فتح هذه الملفات يعكس حجم القلق الرسمي، والضغط الشعبي المتزايد.

في هذا السياق، دخلت منظمات حماية المستهلك على خط الأزمة، حيث قدمت منظمة “فود ووتش” شكوى جنائية في باريس نيابة عن ثماني عائلات، متهمةً شركات تصنيع حليب الأطفال بالتأخر في تحذير الجمهور، وتغليب الاعتبارات التجارية على السلامة العامة.

خسائر فادحة للشركات

تكبدت كبريات شركات صناعة الغذاء العالمية، وفي مقدمتها “نستله” و”دانون” و”لاكتاليس”، خسائر مليارية فادحة إثر اكتشاف التلوث في منتجات الحليب، وعمليات السحب الواسعة التي شملت 16 دولة أوروبية ودولاً في الشرق الأوسط.

حيث تسببت الأزمة في هزة عنيفة بأسواق المال حسب متابعات بقش، وتراجعت أسهم الشركات المعنية، وتكبدت شركة نستله تقديرياً خسائر بقيمة 1.3 مليار دولار بنهاية شهر يناير المنصرم، فيما خسرت شركة دانون ما لا يقل عن 100 مليون يورو (118 مليون دولار).

لذا فإن الأثر المالي على “نستله” يُقدّر بأنه أكبر بعشر مرات مقارنة بشركة “دانون” نظراً لحجم السحوبات التي تمت واتساع نطاق التوزيع المتأثر.

ارتدادات على ثقة المستهلكين

اقتصادياً، لا تقتصر الخسائر على كلفة سحب المنتجات وإتلافها، بل تمتد إلى اهتزاز ثقة المستهلكين، وهو رأس مال غير ملموس لكنه حاسم في قطاع يعتمد على الثقة المطلقة.

فحليب الأطفال ليس سلعة عادية، إذ يُعد بديلاً غذائياً أساسياً في مراحل حرجة من النمو، وأي شك في سلامته قد يدفع الأسر إلى تغيير العلامات التجارية أو البحث عن بدائل محلية أو حتى اللجوء إلى الرضاعة الطبيعية عند الإمكان.

كما يُتوقع أن تؤدي المعايير الجديدة إلى مزيد من عمليات السحب في الأيام والأسابيع المقبلة، ليس فقط في فرنسا، بل في دول أخرى قد تتبنى السقف ذاته، ما يعني أن الأزمة مرشحة للتوسع، مع ما يرافق ذلك من اضطراب في الأسواق وسلاسل الإمداد.

قالت السلطات الفرنسية إن ما جرى لن يمر من دون مراجعة شاملة لقواعد إنتاج ومراقبة حليب الأطفال. فالتشديد الحالي لا يُنظر إليه كإجراء مؤقت، بل كنقطة تحول نحو منظومة أكثر صرامة، قد تشمل تعزيز الرقابة على الموردين الخارجيين، وتكثيف الاختبارات المخبرية، وفرض التزامات إبلاغ أسرع وأكثر شفافية على الشركات.

وفي العمق تطرح هذه القضية أسئلة تتركز حول هل يمكن الاستمرار في الاعتماد على سلاسل توريد عالمية معقدة في منتجات شديدة الحساسية، أم إن المرحلة المقبلة ستشهد توجهاً نحو إعادة توطين بعض الصناعات الحيوية، ولو بكلفة أعلى، مقابل هامش أمان أكبر؟

أزمة حليب الأطفال تكشف عن هشاشة كبرى في نظام غذائي عالمي شديد الترابط، وحدود الرقابة في عصر العولمة، والتوتر الدائم بين الكلفة والربح من جهة، والسلامة القصوى من جهة أخرى، وبينما تحاول السلطات احتواء التداعيات عبر تشديد المعايير، تبقى ثقة الأهالي هي الامتحان الأصعب، والرهان الأكبر في معركة لا تحتمل أنصاف الحلول عندما يكون الأطفال في قلبها.

زر الذهاب إلى الأعلى