
الاقتصاد العالمي | بقش
في وقت يؤكد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “زمام الاقتصاد بات بيده”، تكشف البيانات الرسمية واستطلاعات الرأي التي يتتبَّعها مرصد “بقش” عن صورة أكثر تعقيداً من خطاب التفاؤل السياسي، فمع استعداد الجمهوريين لمعركة الانتخابات النصفية، يتحول الاقتصاد إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة الإدارة على إقناع الناخبين بأن الأوضاع تسير في الاتجاه الصحيح.
ورغم تأكيد ترامب أن الولايات المتحدة تعيش “أعظم اقتصاد في التاريخ”، تشير استطلاعات حديثة أجرتها واشنطن بوست وإيه بي سي نيوز بالتعاون مع إبسوس إلى أن غالبية الأمريكيين لا يوافقون على طريقة إدارته لملفات الاقتصاد والتضخم والرسوم الجمركية.
ويعبر هذا التباين عن معضلة سياسية مألوفة، تتمثل في أن الرؤساء يسعون إلى تبني الأخبار الإيجابية والتنصل من السلبية، لكن الناخبين يحكمون بناءً على تجربتهم اليومية، خاصة فيما يتعلق بتكاليف المعيشة.
أحدث تقديرات مكتب التحليل الاقتصادي أظهرت أن الناتج المحلي الإجمالي سجل نمواً سنوياً بنسبة 1.4% في الربع الرابع من 2025، متراجعاً عن نسبة 4.4% في الربع الثالث، وأقل من التوقعات التي دارت حول 2.5% حسب متابعات بقش، وعلى مدار العام بأكمله، بلغ النمو 2.2% مقارنة بـ2.8% في 2024.
الإدارة عزت جزءاً من هذا التباطؤ إلى الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، الذي اقتطع – حسب البيانات الرسمية – نحو نقطة مئوية كاملة من نمو الربع الرابع، وفي المقابل قدّر نموذج “GDPNow” التابع لبنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن يسجل الاقتصاد نمواً يقارب 3.1% في الربع الأول من 2026، ما يشير إلى احتمال تعافٍ تدريجي بعد زوال أثر الإغلاق.
سوق العمل: استقرار هش
على صعيد التوظيف تبدو الصورة مزدوجة، فقد أضاف الاقتصاد 130 ألف وظيفة في يناير، متجاوزاً التوقعات، وتراجع معدل البطالة إلى 4.3%، وهو مستوى يُعد منخفضاً تاريخياً.
لكن نظرة أوسع إلى عام 2025 تكشف أن سوق العمل كان شبه متجمد، إذ لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية 15 ألف وظيفة، مقارنة بـ168 ألفاً في 2024، وفق البيانات التي طالعها بقش من مكتب إحصاءات العمل، كما ألغت مراجعات معيارية 862 ألف وظيفة كانت محسوبة سابقاً.
في المقابل، تراجعت طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 206 آلاف طلب، في أكبر انخفاض منذ نوفمبر، بينما ظلت الطلبات المستمرة مرتفعة عند 1.87 مليون، ما يعكس صعوبة عودة العاطلين إلى سوق العمل.
إضافة إلى ذلك، شهد التوظيف الفيدرالي انكماشاً ملحوظاً، فمنذ أكتوبر 2024 فقدت الحكومة نحو 327 ألف وظيفة، أي ما يعادل 10.9% من القوة العاملة الفيدرالية، نتيجة سياسة تقليص الجهاز الحكومي.
وارتفعت الأجور بوتيرة تفوق التضخم، مسجلة زيادة سنوية قدرها 3.7% في يناير، ما يمنح العمال مكاسب حقيقية محدودة، إلا أن هذا المعدل أبطأ مما كان عليه قبل تولي ترامب ولايته الثانية.
أما التضخم، فقد استقر المؤشر الأساسي المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي عند نحو 3% في ديسمبر، ورغم أن زيادة أسعار المستهلكين في يناير بلغت 0.2% فقط، فإن الأسعار تظل مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وهو ما يبقي ملف القدرة على تحمل التكاليف نقطة ضعف سياسية.
الاستهلاك والإسكان.. مؤشرات متباينة
حافظت مبيعات التجزئة على تماسك نسبي خلال معظم 2025، مدعومة بإنفاق الأسر الأكثر ثراءً، قبل أن يتباطأ الزخم في النصف الثاني ويتوقف بشكل غير متوقع في ديسمبر، ويبدو أن الأسر ذات الدخل المنخفض أصبحت أكثر حذراً، بالتزامن مع تباطؤ نمو أجورها.
وفي قطاع الإسكان، يبلغ متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري لأجل 30 عاماً نحو 6%، انخفاضاً من قرابة 7% عند بداية الولاية الثانية، وفق بيانات مؤسسة رهن المنازل العقارية الفيدرالية “فريدي ماك”، ورغم أن هذا المستوى هو الأدنى منذ أكثر من ثلاثة أعوام، فإنه لا يزال مرتفعاً مقارنة بعقد الفائدة المنخفضة قبل 2022.
وتراجعت مبيعات المنازل القائمة في يناير بأكبر وتيرة منذ نحو أربعة أعوام، بينما سجل إجمالي البناء السنوي انخفاضاً للعام الرابع على التوالي، رغم تحسن طفيف في بدايات البناء خلال ديسمبر.
خطاب الانتصار في مواجهة الحساب الانتخابي
سياسياً، يحاول ترامب إعادة صياغة النقاش، معلناً “الانتصار” في معركة تكاليف المعيشة، ومشدداً على أن الاقتصاد بات تحت قيادته الكاملة، لكن التاريخ الانتخابي الأمريكي يُظهر أن الناخبين يمنحون أصواتهم بناءً على إحساسهم بالقدرة على دفع الفواتير، لا على نسب النمو المجردة.
وبينما تبدو المؤشرات الاقتصادية بعيدة عن سيناريو الركود، فإنها أيضاً لا ترقى إلى مستوى “الأعظم في التاريخ”، فهي صورة لاقتصاد صامد، ينمو بوتيرة معتدلة، يحافظ على تماسك سوق العمل، لكنه يواجه تضخماً مستمراً وسوق إسكان ضعيفة وثقة شعبية مترددة، استناداً إلى تحليلات بلومبيرغ.
الاقتصاد الأمريكي في ولاية ترامب الثانية يقف في منطقة وسط، فلا هو اقتصاد منهار كما يخشى منتقدوه، ولا هو استثنائي كما يروج أنصاره. الأرقام تشير إلى توازن دقيق بين نمو معتدل واستقرار نسبي في الوظائف وضغوط مستمرة على الأسعار.


