بين ضغوط ترامب وتمرد الديمقراطيين.. هل تنجو أمريكا من فخ الإغلاق الحكومي الكبير؟

الاقتصاد العالمي | بقش
تمر واشنطن بأزمة سياسية متجددة مع دخول الإغلاق الحكومي الجزئي مرحلة حرجة، حيث توقفت ثلاثة أرباع الوكالات الفيدرالية عن العمل، ما أدى إلى شلل جزئي في مفاصل الدولة وفق تقارير “بقش”. وبينما تبدو الأزمة نتاج صراع تقليدي حول الميزانية والإنفاق، إلا أن تفاصيلها هذه المرة تحمل بصمات ترامب الذي يقود تحركات مكثفة خلف الكواليس لإنهاء الأزمة، وسط تجاذبات حادة داخل البيت الجمهوري نفسه وبين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
وخلافاً لمواقف سابقة، يظهر ترامب في هذه الأزمة كـ”محرك للحل” بدلاً من “محرك للتصعيد”، وتتلخص ملامح التحرك السياسي الحالي في الضغط الرئاسي المباشر، إذ مارس ترامب ضغوطاً هائلة على المشرعين الجمهوريين، واستدعى المتشددين منهم إلى البيت الأبيض، بهدف تمرير مشروع قانون إنفاق ضخم دون تعديلات قد تعرقله في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.
واليوم الثلاثاء، طالب ترامب الكونغرس بالإسراع في اعتماد مشروع قانون للإنفاق، ينهي الإغلاق الحكومي الجزئي الذي دخل يومه الرابع.
وجاء في منشور طالعه بقش على منصة ترامب “تروث سوشيال: “آمل أن ينضم إليّ كل الجمهوريين والديمقراطيين في دعم هذا المشروع، وأن يرسلوه إلى مكتبي دون تأخير، لا يمكن إدخال أي تعديلات في الوقت الراهن”. وأضاف: “سنعمل معاً بحسن نية لمعالجة القضايا التي أُثيرت، لكن لا يمكننا أن نتحمّل إغلاقاً مطوّلاً آخر مدمّراً وعديم الجدوى، سيُلحق ضرراً بالغاً ببلدنا”، في إشارة إلى الإغلاق السابق الذي استمر 43 يوماً في العام الماضي.
وبدأ الإغلاق الحالي، السبت، بعد انهيار مفاوضات بين ممثلي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، على خلفية مقتل اثنين من المحتجين على أساليب إدارة الهجرة والجمارك، في مدينة مينيابوليس، وهو ما دفع الديمقراطيين إلى اتّخاذ موقف متشدد.
وكان مجلس الشيوخ الأمريكي تبنّى، ليلة الجمعة، مشروع قانون مالي من شأنه الحد من فترة الإغلاق، معتمداً خمسةً من الأقسام الستة لنص الميزانية، في مقابل أن يخضع القسم المتعلق بوزارة الأمن الداخلي لمزيد من المفاوضات خلال الأسبوعين المقبلين، لكن الاتفاق أثار استياء عدد من الجمهوريين المحافظين الذين هدّدوا بالتصويت ضده.
وحاول رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، الموازنة بين مطالب المحافظين المتشددين (الذين طالبوا بربط التمويل بقوانين إثبات الجنسية للتصويت) وبين رغبة ترامب في إقرار التمويل فوراً لتجنب غضب شعبي ناتج عن تعطيل مصالح المواطنين.
وتتمحور العقدة الأساسية حول ملفين رئيسيين أدت إلى وصول المفاوضات لطريق مسدود. الأول هو ملف إثبات الجنسية (SAVE Act)، إذ طالب نواب محافظون بربط تمويل الحكومة بتشريع يفرض إثبات الجنسية عند التصويت في الانتخابات، وبينما يؤيد ترامب الفكرة مبدئياً، إلا أنه يراها الآن عائقاً أمام فتح الحكومة، واصفاً الإغلاق الطويل بـ”الأمر الذي لا طائل منه”.
والملف الثاني هو عقدة وزارة الأمن الداخلي، فرغم الاقتراب من حل أزمة الوكالات الحالية، تظل وزارة الأمن الداخلي “قنبلة موقوتة”، حيث يُتوقع أن تواجه إغلاقاً منفصلاً في وقت لاحق من فبراير الجاري إذا لم يتم التوصل لاتفاق حول سياسات الهجرة وإنفاذ القانون الفيدرالي.
جمود البيانات وشلل الأسواق
أدى الإغلاق الجزئي إلى آثار اقتصادية مباشرة بدأت تثير قلق المستثمرين والأسواق العالمية، أبرزها تجميد البيانات الاقتصادية.
فمع توقف الوكالات الفيدرالية، تأجّل صدور تقارير اقتصادية حيوية، وعلى رأسها تقرير الوظائف الشهري. هذا الغياب للمعلومات يضع الفيدرالي الأمريكي والمستثمرين في حالة “عمى معلوماتي”، مما يصعّب اتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة.
وتتخوف الأسواق من تكرار الاضطرابات التي شهدها عام 2025، حيث يؤدي عدم اليقين السياسي إلى تقلبات في سوق الأسهم وضعف الثقة في العملة المحلية.
وحسب تناولات “بقش”، فإن كل يوم يمر من الإغلاق يقلص نسبة ضئيلة من نمو الناتج المحلي الإجمالي نتيجة توقف الرواتب الفيدرالية وتعطل العقود الحكومية.
ويمثل الإغلاق الحكومي في 2025 شبحاً في أمريكا، إذ تسبب ذلك الإغلاق في خسارة ما لا يقل عن 11 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وعطّل إنفاقاً فيدرالياً قُدّر بـ54 مليار دولار. كما تجمّدت البيانات الاقتصادية الرسمية في العام الماضي، مثل تقرير التضخم والوظائف، لأسابيع، ما أدى إلى حالة من التخبط في الأسواق المالية وتذبذب حاد في سعر صرف الدولار حسب متابعات بقش.
ذلك فضلاً عن شلل الخدمات الذي تسبب به إغلاق 2025، إذ تأجلت معالجة آلاف طلبات برنامج “ميديكير” (Medicare) وقروض الشركات الصغيرة، وهو سيناريو يخشى المواطنون تكراره الآن.
لماذا يصر ترامب على إنهاء الإغلاق الآن؟
تشير التحليلات إلى أن ترامب يدرك أن استمرار الإغلاق الجزئي الحالي سيُحمل الجمهوريين المسؤولية أمام الرأي العام، مما قد يؤثر على شعبيته وعلى حظوظ الحزب في الاستحقاقات القادمة. كما يريد ترامب إثبات قدرته على القيادة وحسم الملفات العالقة التي فشل فيها الآخرون، عبر إظهار سيطرته على الكونغرس.
وتشير المعطيات الحالية إلى سيناريوهين محتملين، الأول هو نجاح ترامب وجونسون في حشد الأصوات الكافية لتمرير التمويل، مما ينهي الشلل الحالي ويعيد فتح الوكالات الفيدرالية فور توقيع القانون.
أما السيناريو المعقد فهو تأجيل الأزمة. حتى في حال إنهاء الإغلاق الحالي، تظل المواجهة الحقيقية مرجحة في منتصف فبراير حول ميزانية الأمن الداخلي، ما يعني أن واشنطن قد تخرج من إغلاق لتدخل في آخر خلال أسابيع قليلة، ما لم يتم التوصل لصفقة كبرى تشمل ملف الهجرة.
هذا ويعد الإغلاق الحكومي الحالي امتحاناً كبيراً لمدى تماسك الحزب الجمهوري تحت قيادة ترامب، ومدى قدرة المؤسسات الأمريكية على الفصل بين الصراعات الأيديولوجية (مثل قوانين التصويت) وبين الالتزامات التنفيذية للدولة. ورغم أن الانفراجة تبدو قريبة، إلا أن الثمن الاقتصادي والسياسي للتوترات يظل قائماً، بانتظار معركة فبراير القادمة حول الحدود والأمن القومي.


