
الاقتصاد العالمي | بقش
رغم أن المؤشرات الكلية تُظهر تحسناً ملحوظاً في مستويات الرفاه وجودة الحياة خلال العقود الأخيرة، فإن شريحة واسعة من الناس تميل إلى الاعتقاد بأن الاقتصاد لم يتقدم، أو أنه لم يعد يعمل لصالحها كما كان في السابق، وهذا التناقض هو ما حاولت الكاتبة الأمريكية “ميغان مكاردل” تفكيكه في مادة اطلع عليها “بقش” لدى صحيفة “واشنطن بوست”، معتبرةً أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب المكاسب، بل في طبيعة هذه المكاسب ذاتها.
تطرح مكاردل فكرة أن النموذج الاقتصادي السائد اليوم يمكن وصفه بـ”اقتصاد الاحتمالات”، أي اقتصاد يدفع فيه الأفراد أموالاً متزايدة لتقليل مخاطر قد لا يواجهونها شخصياً أبداً، إذ إننا لا نشتري فقط سلعاً وخدمات، بل نشتري احتمالات أقل للأذى، ونشتري مستويات أعلى من الأمان، ونشتري أعواماً إضافية من الصحة المتوقعة.
المشكلة، وفق هذا الطرح الذي لا يتبنّاه “بقش” بالضرورة، أن الإنسان بطبيعته لا يشعر بقيمة الخطر الذي لم يقع، فحين تدفع مبلغاً إضافياً لتجنب حادث محتمل أو مرض نادر، لا تشعر بالمكسب كما تشعر بشراء سلعة ملموسة أو رفاهية فورية، وهنا تكمن المفارقة: الاقتصاد يتحسن، لكن إحساسنا به لا يتحسن بالقدر ذاته.
السيارات: ارتفاع الأسعار أم ارتفاع القيمة؟
تُعدّ سوق السيارات مثالاً واضحاً على هذه المفارقة، فقد تجاوز متوسط سعر السيارة الجديدة في الولايات المتحدة 50 ألف دولار، مقارنة بنحو 15 ألف دولار في عام 1990، أي ما يعادل قرابة 38 ألف دولار بأسعار اليوم، وللوهلة الأولى يبدو الأمر وكأنه تدهور في القدرة الشرائية، لكن المقارنة البسيطة تخفي تحولاً نوعياً عميقاً.
السيارة الحديثة ليست مجرد وسيلة نقل بمحرك أقوى أو تصميم أكثر أناقة، بل هي منظومة أمان متكاملة: وسائد هوائية متعددة، وأنظمة تحكم إلكتروني بالثبات، ومكابح مانعة للانغلاق، وتقنيات مساعدة السائق، ومستشعرات تنبيه متقدمة، وإضافة إلى ذلك تغيرت تفضيلات المستهلكين أنفسهم، إذ بات كثيرون يختارون سيارات أكبر وأكثر فخامة، مثل سيارات الدفع الرباعي، ما يرفع السعر الإجمالي.
الأهم من ذلك أن هذه التحسينات انعكست فعلياً على السلامة العامة، فقد انخفض معدل الوفيات في حوادث السير في الولايات المتحدة من 1.7 وفاة لكل 100 مليون ميل مقطوع عام 1995 إلى 1.2 وفاة عام 2024. هذا الفرق يعني آلاف الأرواح التي يتم إنقاذها سنوياً، لكن السائق الذي يدفع آلاف الدولارات الإضافية لا يشعر بأنه اشترى “حياة محتملة”، بل يشعر فقط بأنه دفع سعراً أعلى.
وإذا كانت السيارات تمثل نموذجاً جزئياً، فإن القطاع الصحي يمثل المثال الأوضح على المكاسب غير المرئية، فخلال العقود الثلاثة الماضية، شهد العالم تطورات طبية غير مسبوقة: علاجات فعالة لالتهاب الكبد الوبائي، وأدوية متقدمة للتليف الكيسي، وعلاجات مناعية أحدثت تحولاً في مكافحة السرطان، وتطورات في إدارة فيروس نقص المناعة البشرية، وتقدم هائل في أمراض القلب والأوعية الدموية.
ومع ذلك، يبقى القطاع الصحي من أكثر القطاعات إثارة للجدل، خصوصاً في أمريكا، والسبب، كما تشير مكاردل، أن نجاح الطب يُقاس غالباً بأمر لم يحدث: مرض لم يتفاقم، وعدوى لم تنتشر، ومضاعفات لم تقع. اللقاح الناجح لا يشعر به إلا من نجا من المرض، أما ملايين الأشخاص الذين لم يُصابوا أصلاً فلن يشعروا بأي مكسب مباشر.
بالمقابل، ما يشعر به الناس فعلياً هو ارتفاع أقساط التأمين الصحي، وزيادة فواتير الرعاية الطبية. وهكذا تطغى الكلفة الملموسة على الفائدة غير المرئية.
الفرق بين سلع الرفاه وشراء الطمأنينة
في منتصف القرن العشرين، كان الازدهار الاقتصادي مرتبطاً بسلع استهلاكية، مثل الأجهزة المنزلية، والسيارات الشخصية، والمساكن الأوسع، ثم لاحقاً ثورة الإنترنت والهواتف الذكية، وكانت المكاسب مباشرة وملموسة، ويمكن قياسها بسهولة في حياة كل فرد.
أما اليوم، فإن جزءاً كبيراً من الإنفاق يذهب نحو تقليل المخاطر وتحسين الجودة الدقيقة للحياة: هواء أنظف، غذاء أكثر أماناً، معايير بناء أكثر صرامة، تقنيات أمان متقدمة، وأدوية تُقدَّم على أنها تمنع تفاقم أمراض مزمنة، وهذه التحسينات لا تحدث صدمة بصرية أو نفسية، لكنها ترفع متوسط العمر المتوقع وتقلل احتمالات الكوارث الفردية.
وتسلط هذه الرؤية الضوء أيضاً على تحيز إدراكي شائع، أي مقارنة الأسعار الاسمية عبر الزمن دون احتساب التحسينات النوعية. فحين نقول إن السيارة أصبحت أغلى، نغفل أننا لا نقارن المنتج نفسه، بل منتجين مختلفين تماماً من حيث المواصفات وفقاً للكاتبة، وحين نشكو من ارتفاع كلفة الرعاية الصحية، قد نغفل أن أمراضاً كانت قاتلة قبل عقود أصبحت اليوم قابلة للعلاج أو السيطرة.
وهذا لا يعني أن كل شيء يسير على ما يرام أو أن الضغوط المعيشية غير حقيقية، بل يعني أن قياس التقدم الاقتصادي يتطلب أدوات أعمق من مجرد مقارنة الأرقام.
في النهاية، تتساءل ميغان مكاردل: هل نحن ضحايا اقتصاد متعثر، أم ضحايا طريقة إدراكنا له؟. الاقتصاد الحديث، وفق هذا التحليل، لا يبيعنا فقط منتجات، بل يبيعنا احتمالات أفضل للحياة، احتمالات أعلى للنجاة، واحتمالات أطول للصحة، واحتمالات أقل للخطر، غير أن العقل البشري يميل إلى تقدير المكسب حين يراه أمامه، لا حين يُجنب من خسارة محتملة.


