الاقتصاد العالمي بين الصمود والتحديات.. البنك الدولي يتوقع تباطؤ النمو وفجوات متزايدة في الدخل

الاقتصاد العالمي | بقش
أظهر تقرير حديث للبنك الدولي حول الآفاق الاقتصادية العالمية لشهر يناير 2026 أن اقتصاد العالم أصبح أكثر قدرة على الصمود في مواجهة حالة عدم اليقين غير المسبوقة التي تشهدها الأسواق العالمية بسبب التوترات التجارية والتقلبات في السياسات الاقتصادية.
وحسب قراءة “بقش” ما ورد في التقرير، فإن الاقتصاد العالمي حافظ على استقرار نسبي في نموه، حيث من المتوقع أن يبلغ النمو 2.6% خلال عام 2026 قبل أن يرتفع إلى 2.7% في 2027، وهو أعلى من توقعات التقرير السابق الصادر في يونيو 2025.
أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة لعبت الدور الأكبر في تعديل التوقعات نحو الأعلى، حيث ساهمت بنحو ثلثي الزيادة المتوقعة للنمو في 2026. ورغم ذلك، فإن العقد الحالي يُعد أحد الأضعف للنمو العالمي منذ ستينيات القرن الماضي، ما يعكس فجوة متنامية في مستويات المعيشة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية.
ففي نهاية عام 2025، تجاوز نصيب الفرد من الدخل في معظم الدول المتقدمة مستويات ما قبل جائحة 2019، بينما بقي نحو ربع الاقتصادات النامية دون هذه المستويات.
العوامل المؤثرة في النمو والتباطؤ
استفاد الاقتصاد العالمي في 2025 من طفرة مؤقتة في التجارة العالمية، أعقبها إعادة تنظيم سريعة لسلاسل الإمداد بعد الصدمات المتتابعة. ومع ذلك، يُتوقع أن يتراجع هذا الزخم في 2026 بفعل ضعف الطلب المحلي وتباطؤ التجارة الدولية. ورغم ذلك، ساعد التيسير النسبي للأوضاع المالية العالمية وتوسع السياسات المالية العامة في الاقتصادات الكبرى على التخفيف من أثر هذا التباطؤ.
وتوقع البنك الدولي انخفاض التضخم العالمي إلى 2.6% في 2026، متأثراً بضعف أسواق العمل وتراجع أسعار الطاقة، على أن يتحسن النمو مجددًا في 2027 مع استقرار السياسات وتعديل تدفقات التجارة العالمية.
وستشهد الاقتصادات النامية تباطؤاً في نموها ليصل إلى 4% في 2026 مقارنة بـ4.2% في 2025، قبل أن يتحسن إلى 4.1% في 2027 مع استقرار أسعار السلع الأولية وتحسن الأوضاع المالية وتدفقات الاستثمار.
أما البلدان منخفضة الدخل، فمن المتوقع أن يسجل متوسط نموها 5.6% خلال الفترة 2026-2027، مدعوماً بالطلب المحلي المتزايد وتعافي الصادرات وتراجع التضخم.
رغم ذلك، فإن هذا النمو لن يكون كافياً لتضييق الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة، إذ من المتوقع أن يصل نصيب الفرد من الدخل في الاقتصادات النامية في 2026 إلى 3% فقط، أي أقل بنحو نقطة مئوية عن متوسط الفترة 2000-2019، ما يجعل نصيب الفرد من الدخل في هذه الاقتصادات يمثل نحو 12% فقط من نظيره في الدول المتقدمة.
تحديات سوق العمل
يواجه العالم النامي تحدياً مزدوجاً يتمثل في خلق فرص عمل للشباب وفق تقرير البنك الدولي، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب إلى سن العمل خلال العقد المقبل.
وللتعامل مع هذا التحدي، أوصي البنك الدولي بثلاثة محاور رئيسية هي: تعزيز رأس المال البشري والمادي والرقمي لرفع الإنتاجية وتحسين فرص التوظيف، وتحسين بيئة الأعمال من خلال تعزيز مصداقية السياسات واستقرار البيئة التنظيمية بما يتيح للشركات التوسع والاستثمار، وكذلك جذب رؤوس الأموال الخاصة لدعم الاستثمارات، وهو ما يسهم في توفير وظائف أكثر إنتاجية ضمن القطاع الرسمي وتحقيق نمو الدخل وتقليل الفقر.
المالية العامة: استعادة الاستدامة
أوضح التقرير أن استدامة المالية العامة تشكل أولوية قصوى في الاقتصادات النامية، التي تآكلت مواردها خلال السنوات الأخيرة بفعل الصدمات المتكررة وارتفاع تكاليف خدمة الدين وزيادة احتياجات التنمية.
ويمكن أن يسهم اعتماد قواعد مالية صارمة في ضبط الدين العام وعجز الموازنة وتحسين إدارة الإنفاق والإيرادات حسب اطلاع بقش، وبالتالي تعزيز الاستثمار الخاص واستقرار الأسواق.
أيهان كوسي، نائب رئيس الخبراء الاقتصاديين ومدير مجموعة آفاق التنمية بالبنك الدولي، قال إن الوصول إلى مستويات قياسية من الدين العام في الاقتصادات النامية يتطلب استعادة مصداقية المالية العامة كأولوية قصوى.
وأضاف أن القواعد المالية تساعد على استقرار مستويات الدين وبناء هوامش أمان لمواجهة الصدمات، لكن نجاحها يتوقف على قوة المؤسسات، وجودة التنفيذ، والالتزام السياسي.
ولدى أكثر من نصف الاقتصادات النامية قاعدة مالية واحدة على الأقل، مثل حدود لعجز الموازنة أو الدين العام أو النفقات الحكومية أو تحصيل الإيرادات حسب التقرير.
وتوضح البيانات التي تتبَّعها بقش أن تطبيق هذه القواعد يؤدي عادة إلى تحسن رصيد الموازنة بنسبة 1.4 نقطة مئوية من الناتج المحلي خلال خمس سنوات، ويزيد احتمالية الاستقرار المالي بنحو 9 نقاط مئوية، بينما تعتمد الفوائد المتوسطة والطويلة الأجل لهذه القواعد على قوة المؤسسات والسياق الاقتصادي وجودة تصميمها.
التوقعات الإقليمية للنمو
شرق آسيا والمحيط الهادئ: يتراجع النمو إلى 4.4% في 2026 ثم 4.3% في 2027.
أوروبا وآسيا الوسطى: يستقر عند 2.4% في 2026 ويرتفع إلى 2.7% في 2027.
أمريكا اللاتينية والكاريبي: يرتفع تدريجياً من 2.3% في 2026 إلى 2.6% في 2027.
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان: يتحسن النمو من 3.6% في 2026 إلى 3.9% في 2027.
جنوب آسيا: يتراجع إلى 6.2% في 2026 قبل أن يتعافى إلى 6.5% في 2027.
أفريقيا جنوب الصحراء: ينمو من 4.3% في 2026 إلى 4.5% في 2027.
وفي ضوء التقرير، يرسم البنك الدولي صورة للاقتصاد العالمي تجمع بين المرونة الاقتصادية والتحديات البنيوية، خاصة في الاقتصادات النامية.
وبينما أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على الصمود أمام الصدمات، فإن تباطؤ النمو، وارتفاع مستويات الدين العام والخاص، والفجوات الكبيرة في نصيب الفرد من الدخل، تفرض على الحكومات اتخاذ إجراءات فعالة لتعزيز الاستثمار، وضبط المالية العامة، ودعم خلق الوظائف، لضمان استمرار التعافي وتقليل الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الدول.


