أخبار الشحن
أخر الأخبار

الحرب المفتوحة على إيران تخنق مضيق هرمز: أسواق الغاز العالمية تواجه أسوأ أزمة منذ 2022

أخبار الشحن | بقش

دخلت أسواق الطاقة العالمية في حالة من الشلل غير المسبوق إثر التدخل العسكري المباشر وشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عنيفة ومفتوحة على الأراضي والمصالح الإيرانية. هذا التصعيد الدراماتيكي، الذي حوّل مياه الخليج إلى مسرح عمليات عسكرية نشط، لم يقتصر تأثيره على الجغرافيا السياسية، بل امتد ليضرب العصب الحساس للاقتصاد العالمي، مهدداً بإحداث أعتى اضطراب في أسواق الغاز الطبيعي منذ الصدمة التي أحدثتها حرب أوكرانيا. ومع تحول هذه المواجهة إلى حرب شاملة، أصبحت خطوط إمداد الطاقة رهينة لتبادل النيران، مما يضع عواصم العالم أمام واقع شتوي قارس اقتصادياً وسياسياً.

مركز الزلزال الاقتصادي يتركز في مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يُعد الشريان الأهم لتدفق الطاقة، حيث يعبر من خلاله نحو 20% من إجمالي صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياً. ومع اشتعال شرارة الحرب الأمريكية الإسرائيلية، أظهرت بيانات التتبع البحري الحية، حسب اطلاع “بقش” على وكالة “بلومبيرغ”، توقفاً شبه كلي لحركة ناقلات الغاز العملاقة عبر المضيق. هذا الإغلاق الفعلي – سواء كان بقرار عسكري أو بدافع الذعر التجاري – وضع دولاً حليفة لأمريكا، وفي مقدمتها دولة قطر التي تُعد ثاني أكبر مُصدّر للغاز المسال في العالم، في مأزق لوجستي خانق يمنعها من إيصال شحناتها إلى الأسواق المتعطشة.

المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان كابوس عام 2022، عندما أدى عزل الغاز الروسي عن أوروبا إلى قفزات جنونية في الأسعار وتضخم هيكلي لم تتعافَ منه الاقتصادات الكبرى بعد. الفارق اليوم هو أن العالم، الذي استعاض عن الغاز الروسي بالاعتماد الكثيف على الغاز المسال القادم من الشرق الأوسط والولايات المتحدة، يجد نفسه مجدداً في مواجهة أزمة إمداد حادة. فالحرب المفتوحة على طهران لم تترك للمشترين الآسيويين والأوروبيين أي هامش للمناورة، مما دفعهم إلى الدخول في حالة من الشراء الهلعي وسط توقعات بأن تعرقل هذه الحرب الملاحة لأشهر قادمة.

أزمة الإمدادات: من شلل الدوحة إلى إغلاق حقول المتوسط

الضغوط على سلاسل التوريد بدأت تتخذ طابعاً كارثياً بالنسبة للمنتجين في الخليج. فدولة قطر، التي صدرت نحو 82.2 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025 وفق اطلاع بقش، تجد أسطولها عالقاً. وأشار توم مارزيك-مانسر، رئيس تحليلات الغاز في مؤسسة “وود ماكنزي” العريقة، إلى أن أي عسكرة لمضيق هرمز تعتبر بمثابة “وقود صاروخي” لأسعار الغاز.

الخطورة تكمن في أن استمرار تكدس الشحنات وعدم قدرة الناقلات على تفريغ الخزانات في منشآت رأس لفان القطرية سيجبر الدوحة عاجلاً أم آجلاً على خفض الإنتاج قسرياً، وهو ما سيمحو ملايين الأطنان من المعروض العالمي في أسابيع معدودة.

شركات الشحن البحري العالمية لم تنتظر التقييمات السياسية، بل اتخذت قرارات استباقية صارمة لحماية أصولها من نيران الحرب. عمالقة الشحن اليابانيون، الذين يمثلون العمود الفقري لنقل الطاقة الآسيوية، أعلنوا حالة الطوارئ القصوى؛ حيث أصدرت شركة “نيبون يوسن” (NYK Line) و”ميتسوي أو إس كيه لاينز” (MOL) و”كاواساكي كيسن كايشا”، أوامر عملياتية صارمة لأساطيلها بتجنب الاقتراب من مضيق هرمز أو الانتظار في مياه آمنة بعيداً عن الخليج العربي. هذا الامتناع المؤسسي عن الإبحار يعني أن توفر الغاز ليس هو المشكلة الوحيدة، بل استحالة نقله من منابع الإنتاج إلى محطات الاستهلاك.

على الجانب الآخر من الحرب، لم يسلم شرق البحر المتوسط من التداعيات المباشرة للمواجهة المفتوحة. فالهجمات العنيفة المتبادلة دفعت الاحتلال الإسرائيلي إلى الإغلاق الفوري لحقول الغاز البحرية الكبرى، مثل حقل “تمار” وحقل “ليفيثان” الذي تديره شركة “شيفرون” الأمريكية، كإجراء احترازي ضد الاستهداف الصاروخي.

هذا الإغلاق وجه ضربة قاصمة لمصر، التي تعتمد على واردات الغاز الإسرائيلي لتلبية الاستهلاك المحلي وإعادة التصدير. ونتيجة لذلك، وجدت القاهرة نفسها مضطرة للنزول فجأة إلى السوق الفورية باهظة التكلفة لتسريع استلام شحنات من الغاز المسال، مما يزيد من حدة المنافسة والمضاربة في سوق يعاني أصلاً من شح الإمدادات.

الرعب الآسيوي والبحث عن بدائل مستحيلة

آسيا تقف اليوم في خط المواجهة الأول اقتصادياً لتلقي صدمات هذه الحرب؛ فالمشترون الآسيويون يستحوذون على أكثر من 80% من صادرات الغاز القطري. الصين، التي تعتمد على الدوحة لتأمين ثلث وارداتها من الغاز المسال، والهند التي تليها، وجدتا نفسيهما أمام كابوس انقطاع الإمدادات.

وقد أفادت مصادر تجارية بأن هواتف غرف التداول في بكين ونيودلهي وطوكيو لم تهدأ طوال عطلة نهاية الأسبوع، في محاولات يائسة لتأمين شحنات بديلة من موردين في أستراليا وأمريكا، إلا أن الأسواق الفورية لا تمتلك فائضاً كافياً لتعويض غياب الغاز الشرق أوسطي إذا استمرت الحرب.

ولا يقتصر المأزق على آسيا، فالتشابك الجيوسياسي يطال أطرافاً أخرى بحدة تفوق التوقعات. فتركيا، على سبيل المثال، تعتمد على خطوط الأنابيب الإيرانية لتأمين نحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً من احتياجاتها وفق قراءة بقش. وفي ظل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية العنيفة على البنية التحتية الإيرانية، فإن انقطاع هذا الضخ الإيراني المباشر نحو أنقرة سيدفع تركيا للانضمام إلى طابور المتنافسين الشرسين على شحنات الغاز المسال.

الأسعار هي الضحية الأولى لهذا التصعيد المفتوح؛ فالأمر لا يتعلق بالأسعار الفورية للغاز فحسب، بل يمتد لعقود التوريد طويلة الأجل. وبما أن الغالبية العظمى من عقود الغاز الآسيوية مرتبطة تاريخياً بأسعار النفط القياسية (خام برنت)، فإن اشتعال أسعار النفط نتيجة الحرب المباشرة على إيران يعني أن تكلفة استيراد الغاز سترتفع تلقائياً وبشكل حاد على المستهلكين في اليابان وكوريا الجنوبية والهند. هذا الارتباط السعري ينهي رسمياً حقبة الهدوء النسبي التي شهدتها أسواق الطاقة خلال العام الماضي، ويؤسس لمرحلة تضخمية جديدة ومؤلمة للصناعات الآسيوية.

إن القرار الأمريكي الإسرائيلي بشن حرب مفتوحة ومباشرة على إيران يمثل نقطة تحول جيواقتصادية لن يتم تجاوزها بسهولة. لقد أثبتت هذه الأزمة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الاستراتيجية الغربية التي تبلورت منذ عام 2022 للتخلي عن الطاقة الروسية، قد أسست لنقطة ضعف قاتلة بجعل الاقتصاد العالمي رهينة للهدوء الهش في الشرق الأوسط. إغلاق مضيق هرمز، حتى ولو كان جزئياً أو مؤقتاً، يكشف بوضوح عن هشاشة أمن الطاقة العالمي وافتقاره لخطط طوارئ قادرة على استيعاب غياب الغاز القطري والإماراتي في آن واحد.

ومع استمرار دوي القصف والغارات، فإن أسواق الطاقة لم تعد تتفاعل مع آليات العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت أسيرة لحسابات الردع والمواجهة العسكرية المفتوحة. إذا لم تفضِ الجهود الدبلوماسية إلى تبريد جبهات هذه الحرب التي تقودها أمريكا وإسرائيل، فإن العالم بأسره – من المصانع في شنغهاي إلى المنازل في برلين – سيدفع ثمناً باهظاً، ليس فقط في فواتير التدفئة، بل في ركود صناعي عالمي قادم لا محالة، مما يعيد تشكيل خريطة التحالفات الاستراتيجية وفقاً لمن يملك القدرة على تأمين الدفء والضوء.

زر الذهاب إلى الأعلى