
الاقتصاد العربي | بقش
تتحرك السعودية بسرعة لإعادة توجيه تدفقات نفطها بعيداً عن الخليج العربي، مع التعطل الفعلي لمضيق هرمز نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتبعاتها في المنطقة، وتأتي التحركات السعودية بهدف الحفاظ على استمرارية الإمدادات إلى الأسواق العالمية وتفادي تكدس الخام في مرافق التخزين الإقليمية.
بيانات تتبع الناقلات التي رصدها “بقش”، تشير إلى تحميل خمس ناقلات عملاقة جداً في ميناء ينبع على البحر الأحمر منذ مطلع مارس الجاري، ما أدى إلى مضاعفة الصادرات عبر الساحل الغربي ثلاث مرات مقارنة بمتوسط فبراير المنصرم. وتستطيع هذه السفن نقل ما يقارب 10 ملايين برميل مجتمعة، ليرتفع متوسط الشحنات اليومية من ينبع إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، مقابل 786 ألف برميل يومياً الشهر الماضي.
وفي خطوة تعكس استعداداً لسيناريو إغلاق طويل، أعلنت شركة أرامكو السعودية أنها بدأت نقل كميات التصدير من مناطق الإنتاج الشرقية عبر شبكة خطوط الأنابيب إلى موانئ البحر الأحمر، ومن الناحية النظرية يمتلك هذا المسار قدرة على ضخ معظم صادرات المملكة اليومية البالغة نحو 7 ملايين برميل من الخام.
ورغم استمرار التحميل في ميناء رأس تنورة على الخليج العربي، فإن الشحنات لم تغادر المنطقة بالوتيرة المعتادة، ما دفع الرياض إلى تعزيز خيار البحر الأحمر كمنفذ رئيسي بديل.
سباق مع امتلاء المخزونات
يضع تعطل العبور عبر مضيق هرمز دول الخليج أمام معادلة زمنية ضيقة، فمع صعوبة دخول ناقلات فارغة إلى الخليج العربي، تمتلئ صهاريج التخزين في الحقول والمصافي بسرعة، ما قد يجبر المنتجين على خفض الإنتاج إذا لم يُستأنف العبور قريباً.
وبدأ العراق بالفعل تقليص إنتاجه حسب متابعات بقش، نتيجة نقص الناقلات وتراكم الخام. وتشير تقديرات محللين لدى بنك الاستثمار الأمريكي “جيه بي مورغان” إلى أن بغداد قد تضطر لخفض إضافي خلال نحو ستة أيام إذا استمر الوضع، بينما تمتلك السعودية هامشاً زمنياً أطول قد يصل إلى 65 يوماً بفضل قدرتها على تحويل الصادرات إلى مسارات بديلة. ويحذر المحللون من أن الكويت قد تواجه وضعاً مماثلاً خلال أقل من أسبوعين.
أما الإمارات فتملك منفذاً يُوصف بأنه بديل خارج هرمز عبر ميناء الفجيرة، حيث يمكنها تصدير أكثر من مليون برميل يومياً، مع إمكانية رفع الكميات ضمن حدود الطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب المرتبط به، البالغة نحو 1.5 مليون برميل يومياً، إلا أن هذا الرقم يظل أقل بكثير من إجمالي برنامج الصادرات الإماراتي، ما يعني أن القدرة على التعويض تبقى محدودة.
ورغم أن التحويل إلى البحر الأحمر يمنح السعودية متنفساً، فإن هذا المسار لا يخلو من تحديات، فالناقلات المتجهة من وإلى ينبع لابد أن تعبر مضيق “باب المندب” الاستراتيجي، الذي شهد خلال العامين الماضيين إغلاقاً من جانب قوات صنعاء استهدف السفن الإسرائيلية والمرتبطة بإسرائيل وملاحتها، ما أدى إلى إرباك حركة الشحن العالمية.
وبذلك، فإن المخاطر لم تُلغَ بل تغير موقعها الجغرافي، من هرمز شرقاً إلى باب المندب جنوباً، في مشهد يعكس هشاشة ممرات الطاقة في المنطقة.
الأسواق تحت ضغط الإمدادات
انعكست التطورات سريعاً على الأسعار، فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 16% منذ إغلاق الجمعة، متجاوزة مستوى 80 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ أكثر من عام. وفي أحدث بيانات السوق التي يرصدها بقش، ارتفع سعر خام “برنت”، الخميس، بأكثر من 5% إلى مستوى 85.63 دولاراً للبرميل، والنفط الخام الأمريكي بأكثر من 8% إلى مستوى 80.99 دولاراً للبرميل.
كما قفزت أسعار الغاز في أوروبا بوتيرة أكبر، بعد أن خفّضت قطر إنتاجها، فيما أعلنت منشأتها الرئيسية للغاز الطبيعي المسال حالة “القوة القاهرة”.
وفي السعودية، تسببت الهجمات في وقف العمليات بمصفاة رأس تنورة، ما أضاف عنصراً جديداً من القلق إلى الأسواق، لكن العامل الأكثر إلحاحاً حالياً يتمثل في نقص الناقلات المتاحة، وهو ما أجبر العراق على وقف الإنتاج في أكبر حقوله.
التحركات السعودية تشير إلى محاولة لاحتواء صدمة لوجستية قد تتحول إلى أزمة إنتاج إقليمية واسعة إذا استمر تعطل مضيق هرمز، وبينما تتمتع الرياض بمرونة نسبية بفضل بنيتها التحتية الممتدة إلى البحر الأحمر، تبدو خيارات بقية المنتجين أكثر محدودية، ما يزيد من حساسية الأسواق لأي تطورات ميدانية.
المشهد حالياً يترجم نفسه، فالأزمة تعيد رسم خريطة تدفقات النفط في الشرق الأوسط، وتؤكد أن أمن الإمدادات بات مرتبطاً بقدرة الدول على تنويع منافذها البحرية، في وقت تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية وتتقلص هوامش المناورة أمام كبار المنتجين.


