الحرب على إيران تشعل الشرق الأوسط وأسواق النفط.. مرحلة غير مسبوقة من التوتر الاقتصادي العالمي

الاقتصاد العالمي | بقش
التطور المتمثل في شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات جوية على إيران، يُنذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي، حيث دخل الشرق الأوسط في موجة تصعيد عسكري واسعة لا تقتصر تداعياتها على البعد الأمني والسياسي، إذ تمتد بصورة مباشرة وعميقة إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار الغذاء، وحركة الطيران والاستثمار.
الرئيس الأمريكي ترامب وصف العملية بأنها “ضخمة” وتهدف إلى إنهاء التهديدات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بينما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن الهجوم المشترك يمهّد لمرحلة جديدة في إيران. في المقابل، ردّت طهران بإطلاق صواريخ على إسرائيل وعدد من الدول الخليجية التي تستضيف قواعد أمريكية، معلنةً أن جميع المصالح الأمريكية في المنطقة باتت ضمن نطاق الرد.
وأخطر ما في المشهد ليس فقط تبادل الضربات، بل التأثير الاقتصادي المتسلسل الذي قد يعيد رسم خريطة المخاطر في المنطقة والعالم.
إغلاق مضيق هرمز: صدمة في أسواق النفط
تُعد إيران ثالث أكبر منتج داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، إذ تضخ نحو 4.5% من الإمدادات العالمية. لكن الأهمية الاستراتيجية لا تكمن فقط في حجم الإنتاج، بل في موقعها الجغرافي المشرف على مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية.
أعلنت إيران عن إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية “حتى إشعار آخر”، رداً على الهجمات “الأمريكية الإسرائيلية” التي استهدفت الأراضي الإيرانية، وأكدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تلقيها عدة بلاغات من سفن في الخليج تفيد بإغلاق المضيق.
وأعلنت بعض شركات النفط والتجارة تعليق شحناتها عبر المضيق، لترتفع علاوات المخاطر فوراً. محللون في شركة “ريستاد إنرجي” توقعوا حسب اطلاع بقش أن يقفز سعر خام برنت بين 10 و20 دولاراً للبرميل عند افتتاح الأسواق إذا استمر التصعيد دون مؤشرات لخفض التوتر.
وسيؤدي إغلاق وتعطيل مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتضخم عالمي جديد مدفوع بالطاقة، وضغط إضافي على اقتصادات مستوردة للنفط في آسيا وأوروبا.
زلزال في أسواق الطاقة
تترقب أسواق الطاقة العالمية تحركات أسعار النفط وسط هذه الحرب، في حين توقع بنك “باركليز” البريطاني وصول سعر خام برنت إلى 80 دولاراً للبرميل في حال أدى التصعيد إلى اضطراب كبير في الإمدادات بمقدار مليون برميل يومياً، وذلك بعد أن استقر خام برنت عند 72.48 دولاراً عقب ارتفاعه بنسبة 2% يوم أمس الجمعة نتيجة تعثر المحادثات النووية حسب تتبُّع بقش لبيانات السوق.
تحالف “أوبك+” يدرس زيادة إنتاج النفط بما يصل إلى 411 ألف برميل يومياً خلال اجتماعه غداً الأحد، كمحاولة استباقية لاحتواء أي قفزة حادة في الأسعار، في ظل مخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وفي تطور موازٍ، أغلقت إسرائيل مؤقتاً أجزاء من منشآت الغاز الطبيعي بعد الهجمات، بما في ذلك حقل ليفياثان الذي تديره شركة شيفرون، إضافة إلى إيقاف سفينة إنتاج تابعة لشركة إنيرجيان.
كما أوقفت إسرائيل ضخ الغاز إلى مصر لأجل غير مسمى، متذرعة ببند “القوة القاهرة”، ما أدى إلى توقف نحو 1.1 مليار قدم مكعب يومياً من حقلي تمار وليفياثان.
تحذيرات بحرية واتساع نطاق المخاطر
بعثة الاتحاد الأوروبي البحرية أسبيدس حذّرت من احتمال تعرض السفن لهجمات في البحر الأحمر وخليج عدن، بينما نصحت اليونان سفنها بتجنب الخليج وخليج عمان ومضيق هرمز.
التحذيرات شملت احتمالات هجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة، وتشويش إلكتروني على أنظمة الملاحة، واستهداف مرافق موانئ.
وهذا الاتساع الجغرافي للمخاطر يهدد بتحويل الأزمة من صراع موضعي إلى اضطراب واسع في طرق التجارة البحرية العالمية.
وبدأت شركات التأمين البحري بالفعل إعادة تسعير المخاطر، فوفق متابعة بقش ارتفعت أقساط التأمين على السفن العابرة للخليج ومضيق هرمز بنسبة تصل إلى 50%.
تكلفة التأمين التي كانت تدور حول 0.25% من قيمة السفينة مرشحة للارتفاع بشكل كبير، كما ارتفعت تغطية السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية بنسب مماثلة. وعلقت بعض ناقلات النفط والغاز الإبحار أو عدّلت مساراتها، بما فيها ناقلات شركة الشحن الدنماركية العملاقة “ميرسك”.
ارتباك في اقتصادات الخليج
الضربات الصاروخية التي طالت أهدافاً في الإمارات والبحرين وقطر والكويت، حتى مع اعتراض معظمها، خلقت حالة من القلق في الأسواق المالية الخليجية. وشهدت أبوظبي ودبي انفجارات، فيما تعرضت منشآت بحرينية مرتبطة بالأسطول الخامس الأمريكي لهجوم. ورغم أن البنية التحتية النفطية لم تُسجل أضراراً واسعة حتى الآن، إلا أن مجرد استهداف هذه الدول يرفع تكلفة التأمين على الأصول والمنشآت، ومخاطر الاستثمار الأجنبي المباشر، واحتمالات هروب رؤوس الأموال قصيرة الأجل، وكلفة الاقتراض السيادي في حال اتساع الصراع.
الدول الخليجية تعتمد على الاستقرار الأمني، تحت المظلة الأمنية الأمريكية، كعامل أساسي في جذب الاستثمارات والسياحة والخدمات اللوجستية، وسيؤثر التصعيد – إذا ما كان طويل الأمد – في خطط التنويع الاقتصادي، خصوصاً في قطاعات والطيران، والموانئ، والطاقة النظيفة.
وحدث اضطراب كبير وغير مسبوق في حركة الطيران وسلاسل الإمداد، فوفق اطلاع بقش ألعت شركات طيران عالمية رحلاتها في أنحاء الشرق الأوسط، ما يعكس خشية حقيقية من تحول المجال الجوي الإقليمي إلى منطقة خطر.
وأظهرت بيانات تتبع الرحلات فراغاً شبه كامل في الأجواء فوق إيران والعراق والأراضي الفلسطينية المحتلة والكويت والبحرين، وشملت قائمة الشركات المعلّقة لرحلاتها “طيران الإمارات”، و”الخطوط الجوية القطرية” التي أوقفت عملياتها بسبب إغلاق المجال الجوي القطري، إضافةً إلى مجموعات “لوفتهانزا”، و”إير فرانس”، و”الخطوط التركية”، والخطوط البريطانية وغيرها.
توقف الرحلات في الشرق الأوسط له تداعيات مباشرة على حركة المسافرين والسياحة، والشحن الجوي للبضائع الحساسة، وتكلفة النقل الدولي، وزمن تسليم السلع أيضاً، كما أن تعليق بعض شحنات النفط والوقود عبر مضيق هرمز يعني عملياً إعادة رسم مسارات النقل البحري، وهو ما يزيد الكلفة والوقت، ويخلق اختناقات لوجستية قد تمتد آثارها إلى أسواق الغذاء والصناعات التحويلية.
أشارت رويترز إلى أن فشل المحادثات النووية غير المباشرة التي توسطت فيها عُمان قبل يومين من الهجمات يعمّق عزلة إيران الاقتصادية، ومع استهداف قيادات عسكرية وسياسية في الداخل الإيراني، ودخول البلاد في حالة طوارئ، من المرجح أن تشهد تراجعاً إضافياً في قيمة العملة الإيرانية، وهروب رؤوس الأموال، وتشديداً للعقوبات الغربية، وانكماشاً في الصادرات النفطية.
الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً من تضخم مرتفع واحتجاجات داخلية واسعة منذ مطلع العام. ومع التصعيد العسكري، قد تتفاقم الضغوط المعيشية، ما يضع الحكومة أمام تحدٍّ مزدوج، أمني واقتصادي.
ارتداد عالمي.. تضخم ومخاطر ركود
يعني ارتفاع أسعار الطاقة زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي، وارتفاع أسعار الغذاء والنقل، وضغط على ميزانيات الدول النامية المستوردة للطاقة، واحتمال تأجيل خفض أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى.
وإذا ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد ومستدام، فقد يعيد ذلك سيناريو “الركود التضخمي” الذي تخشاه البنوك المركزية.
تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، وتنسيق إسرائيل لعملية وُصف أنها خُطط لها منذ أشهر، يشير إلى أن المنطقة قد تدخل مرحلة إنفاق عسكري متصاعد، ما يعني استنزافاً مالياً إضافياً للدول المعنية، وإعادة توجيه موازنات من التنمية إلى الأمن، وتراجعاً في الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
المواجهة الحالية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، تحمل في طياتها مخاطر اقتصادية متعددة المستويات، بينما تترقب الأسواق الآن بداية الأسبوع لقياس حجم الصدمة، فإذا لم تظهر بوادر خفض التصعيد سريعاً، فقد نشهد موجة تقلبات حادة تعيد رسم المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط، وربما تدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من عدم اليقين. ففي منطقة تعتمد بشكل كبير على الطاقة كمحرك أساسي للنمو، فإن التوتر العسكري قابل لأن يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية واسعة، تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.


