الحرب على إيران تضع خريطة جديدة للتجارة العالمية وتُشعل أسعار الشحن الجوي

الاقتصاد العالمي | بقش
في خضم تصاعد الحرب والتوترات الجيوسياسية بشكل غير مسبوق بمنطقة الشرق الأوسط، تقف سلاسل التوريد العالمية مجدداً على حافة الهاوية. فقد أدت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى إحداث زلزال حقيقي في الأوساط التجارية، حيث سجلت أسعار الشحن الجوي قفزات جنونية بلغت 70% على بعض المسارات الاستراتيجية وفق اطلاع مرصد “بقش”.
جاء هذا الارتفاع الحاد كانعكاس مباشر لإغلاق المجالات الجوية، واختناق الممرات البحرية الحيوية، والقفزة المرعبة في تكاليف وقود الطائرات التي تضاعفت منذ اندلاع شرارة الحرب.
وفي قلب هذه الأزمة، يبرز مضيق هرمز كعصب مركزي مشلول، حيث أدى الصراع إلى تقطع السبل بأكثر من 100 سفينة حاويات في محيط هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي لا يقتصر دوره على نقل النفط فحسب، بل يمثل شرياناً لتدفق البضائع بين الشرق والغرب.
هذا الشلل البحري دفع الشركات العالمية إلى الهروب نحو السماء كخيار اضطراري لإنقاذ عقودها التجارية، متكبدة تكاليف باهظة تتراوح عادة بين خمسة إلى عشرة أضعاف تكلفة الشحن البحري، في محاولة يائسة لسد الفجوة اللوجستية وتأمين وصول الشحنات الحساسة.
التحول الإجباري نحو الشحن الجوي يضع الاقتصاد العالمي أمام قنبلة تضخمية موقوتة. فالشحن الجوي، الذي يستحوذ بالأساس على نحو ثلث قيمة التجارة العالمية، أصبح الآن الملاذ الأخير لقطاعات واسعة تتجاوز الإلكترونيات لتشمل السلع الأساسية. ومع تقلص السعة المتاحة في عنابر الطائرات، تتحول هذه التكاليف الإضافية بسرعة إلى زيادات حتمية في أسعار السلع النهائية، مما يهدد بتبديد جهود البنوك المركزية العالمية في كبح جماح التضخم وإعادة استقرار الأسواق المالية.
اختناق الممرات البحرية واللجوء الاضطراري للسماء
أمام هذا المشهد المعقد، سارع عمالقة الشحن البحري لاتخاذ إجراءات صارمة لحماية العمليات. على رأس هذه الشركات، وفق متابعة بقش، شركة “ميرسك” الدنماركية للشحن، التي تُعد مقياساً لحركة التجارة العالمية، فقد أعلنت عن فرض رسوم إضافية للوقود ورسوم “مخاطر الحرب” على خدماتها للشحن الجوي والبحري على حد سواء.
هذه الخطوة تعكس حالة اليقين لدى صناع القرار في قطاع اللوجستيات بأن العمليات في المحيط الإقليمي للصراع باتت محفوفة بمخاطر لا يمكن استيعابها دون تمرير التكلفة إلى المستهلك النهائي.
قطاع الرعاية الصحية كان من أوائل المتضررين والمستجيبين لهذه الأزمة. مجموعات الخدمات اللوجستية الكبرى، مثل “كونه+ناجل” السويسرية، باتت تمنح أولوية قصوى لشحنات الأدوية والمواد الغذائية القابلة للتلف المتجهة إلى الشرق الأوسط.
وفي تحول ملحوظ، اضطرت مصانع الأدوية في الهند – صيدلية العالم للبدائل الطبية الرخيصة – إلى تحويل مسار صادراتها من الحاويات البحرية عبر المضيق إلى الشحن الجوي لضمان وصول المكونات الصيدلانية المنقذة للحياة إلى أسواق أوروبا وأفريقيا والدول العربية.
التداعيات التي يرصدها بقش لم تتوقف عند تغيير وسائل النقل، بل ضربت في صميم البنية التحتية لشبكات الطيران. المطارات المحورية في المنطقة، والتي طالما شكلت شرايين ربط حيوية بين قارات العالم، شهدت تقلصاً شديداً في عملياتها ترقباً لأي طوارئ أمنية.
هذا الوضع أجبر شركات طيران كبرى، مثل “كاثي باسيفيك” في هونج كونج، على تغيير مسارات رحلاتها بالكامل متجاوزة محطات التزود بالوقود التقليدية في الشرق الأوسط، لتطير مباشرة إلى أوروبا في مسارات أطول تلتهم المزيد من الوقود وتفرض قيوداً قاسية على حجم الحمولة المسموح بها.
صدمة الوقود وشبح التضخم العالمي
أسواق الطاقة تتفاعل بعصبية بالغة مع أي تهديد في الشرق الأوسط، وجاء تضاعُف أسعار وقود الطائرات كنتيجة مباشرة للمخاوف من تعطل إمدادات النفط الخام، وهو ما يؤكده المحللون الذين يتوقعون أيضاً استمرار تحليق أسعار الذهب الأسود في مستويات مرتفعة على المدى القريب.
هذه الصدمة المزدوجة – ارتفاع أسعار الوقود وتمديد مسارات الرحلات الجوية لتجنب مناطق الصراع – خلقت حلقة مفرغة من التكاليف التشغيلية التي تبتلع هوامش ربح الشركات وتضغط بشراسة على لوائح أسعار الشحن.
الأرقام الواردة من مؤشرات السوق تعكس واقعاً مريراً. بيانات مؤشر “فريتوس” للشحن الجوي أظهرت ارتفاعاً صاروخياً في الأسعار الفورية، حيث قفزت تكلفة الكيلوجرام من جنوب آسيا إلى أوروبا حسب قراءة بقش من 2.57 دولار إلى 4.37 دولار.
ولم تكن الخطوط الأخرى بمنأى عن هذه العاصفة، إذ ارتفعت تكاليف الشحن من جنوب آسيا إلى أمريكا الشمالية بنسبة 58% لتبلغ 6.41 دولار، بينما صعدت الأسعار من أوروبا إلى الشرق الأوسط بنسبة 55%. هذه القفزات الرقمية تترجم على أرض الواقع إلى عقبات مالية ضخمة أمام حركة التجارة العابرة للحدود.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان أزمات سلاسل التوريد الكبرى، حيث تتضافر العوامل الجيوسياسية والاقتصادية لتخلق حالة من عدم اليقين العالمي. السياسات الحمائية والتعريفات الجمركية التي كانت تتصدر المشهد الاقتصادي سابقاً، تراجعت اليوم أمام التهديد المباشر الذي يفرضه تعطل ممرات التجارة الفعلية. تكلفة إنتاج البضائع وتوزيعها ترتفع بمعدلات لا يمكن للأسواق امتصاصها بصمت، مما ينذر بموجة تضخمية قد تعيد تشكيل السياسات النقدية والشرائية حول العالم خلال الأشهر القادمة.
وتجد خطوط التجارة العالمية نفسها رهينة لحرب تتجاوز حدودها الجغرافية لتضرب في صميم الاقتصاد الدولي، واللجوء المكثف والمكلف إلى الشحن الجوي ليس حلاً مستداماً، لكنه مسكن مؤقت لألم هيكلي في سلاسل التوريد التي تعاني من اختناق مساراتها البحرية الطبيعية. كما أن استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يعني حتماً استنزافاً أعمق للقدرات اللوجستية وتصاعداً في فاتورة التجارة الدولية.


