الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

الديون تثقل كاهل الاقتصاد المصري.. فوائد متصاعدة وعجز متفاقم واقتصاد يدور في حلقة مفرغة

الاقتصاد العربي | بقش

تفاقم عجز ميزانية مصر خلال النصف الأول من السنة المالية الجارية، المنتهي في ديسمبر 2025، إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، ما كشف عن عمق المأزق المالي الذي يواجه الاقتصاد المصري.

وبات العجز نتيجة مباشرة لبنية ديون مختلّة، جعلت فوائد الدين وحدها تبتلع 92% من إجمالي الإيرادات العامة حسب اطلاع “بقش” على أحدث البيانات، وهو مستوى يندر تسجيله في اقتصادات تسعى إلى الاستقرار أو النمو، ويسلط هذا التطور الضوء على تحوّل الدين العام من وسيلة لدعم التنمية إلى عبء يقوّض قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

وحسب بيانات رسمية حديثة طالعها بقش، ارتفعت مدفوعات فوائد الدين بنسبة 34.6% لتصل إلى 1.26 تريليون جنيه خلال النصف الأول فقط من العام المالي، وتعني هذه القفزة الحادة عملياً أن الدولة تدفع فوائد على ديونها بوتيرة أسرع بكثير من نمو إيراداتها أو اقتصادها الحقيقي.

وأمام هذا الواقع، تتحول الميزانية العامة إلى ميزانية خدمة دَين، حيث تُوجَّه الحصة الأكبر من الموارد لسداد فوائد قديمة، لا لتمويل استثمارات جديدة أو تحسين خدمات عامة أو تحفيز النمو.

اختناق مالي شامل

يُنظر إلى أن استهلاك فوائد الدين نحو 92% من إجمالي الإيرادات، يعني أن المساحة المتبقية للإنفاق العام تصبح شبه معدومة. ما يشير عملياً إلى تضييق الخناق على الإنفاق الاجتماعي (الصحة، التعليم، الدعم)، وتراجع الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية الإنتاجية، والاعتماد المتزايد على الاقتراض الجديد لسد فجوات قديمة.

هنا يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة: ديون أعلى، ثم فوائد أكبر، ثم عجز أوسع، ثم اقتراض جديد، ثم ديون أعلى.

ورغم سياسات ضبط الإنفاق، ارتفع العجز الكلي من 4% إلى 4.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي الماضي. وهذا الارتفاع، وإن بدا محدوداً رقمياً، إلا أنه يحمل دلالة خطيرة هي أن التقشف لم يعد كافياً لتعويض الارتفاع المتسارع في كلفة الدين.

فاقتصاد مصر (التي تُعد ثاني أكبر مقترض في العالم بعد الأرجنتين) لا يعاني فقط من حجم الدين، بل من كلفة خدمته المرتفعة، الناتجة عن أسعار فائدة عالية، وتراجع الثقة، وضغوط العملة، واعتماد متزايد على أدوات دين قصيرة ومتوسطة الأجل.

أثر الديون على الاقتصاد الحقيقي

امتدت آثار أزمة الديون إلى الاقتصاد الحقيقي والمجتمع المصري، من خلال تآكل الإنفاق التنموي، حيث انخفاض قدرة الدولة على الاستثمار في القطاعات الإنتاجية يقلّص فرص النمو المستدام ويضعف خلق فرص العمل.

كما أن تمويل العجز عبر الاقتراض، إلى جانب ضعف العملة، يسهم في موجات تضخم متلاحقة تلتهم دخول المواطنين. إضافةً إلى أن استحواذ الحكومة على السيولة عبر أدوات الدين يحرم القطاع الخاص من التمويل، ويحد من قدرته على التوسع والاستثمار.

ومع تصاعد عبء خدمة الدين، تتراجع ثقة المستثمرين في قدرة الدولة على تحقيق توازن مالي مستدام، ما يرفع كلفة الاقتراض أكثر، ويعمّق الاعتماد على التمويل قصير الأجل، ويزيد هشاشة الوضع المالي.

البيانات تُظهر أن الاقتصاد المصري بات يدور حول خدمة الدين لا حول التنمية، ويتطلب الخروج من هذه الدائرة إعادة هيكلة شاملة لنموذج التمويل العام، تعيد توجيه الموارد نحو الإنتاج، وتخفف الاعتماد على الاقتراض، وتكسر الحلقة المفرغة التي أدخلت الاقتصاد المصري في واحدة من أكثر مراحله هشاشة خلال السنوات الأخيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى