إسرائيل تتحول من “عدو” إلى “شريك تنسيق” لسوريا.. ماذا يعني بيان باريس السوري الإسرائيلي؟

تقارير | بقش
في لحظة أثارت جدلاً كبيراً، فجّر البيان السوري الإسرائيلي المشترك الصادر برعاية أمريكية في باريس موجة أسئلة أوسع من إجاباته، وأعاد فتح ملف ظل مغلقاً أو مؤجلاً لعقود، لكنه اليوم يُطرح بلغة مختلفة وأدوات غير مسبوقة.
فعلى مدى يومين متتاليين، اختتمت سوريا وإسرائيل جولة جديدة من المحادثات غير المعلنة سابقاً، جرت في العاصمة الفرنسية باريس، برعاية مباشرة من الولايات المتحدة، وبحضور مسؤولين كبار من الطرفين، وأسفرت هذه الجولة، حسب اطلاع “بقش” على بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، عن الاتفاق على إنشاء خلية اتصال مشتركة، أو ما سُمّي “آلية دمج”، مهمتها تبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق الفوري، وخفض التصعيد العسكري.
وذكر البيان التزام الطرفين بالسعي إلى “ترتيبات دائمة للأمن والاستقرار”، في صيغة لغوية محمّلة بدلالات سياسية عميقة، خصوصاً في ظل السياق السوري الإسرائيلي التاريخي، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان منذ عام 1967، وتكرار الضربات الجوية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
واشنطن، من جهتها، أكدت أن إدارة ترامب أتاحت “مناقشات مثمرة” تراعي “احترام سيادة سوريا وأمن إسرائيل”، في معادلة حاولت نظرياً إظهار توازن بين الطرفين.
آلية استخبارية.. والاقتصاد حاضر
تفاصيل الآلية المشتركة لم تُطرح كإجراء تقني محدود، بل كمنصة شاملة: تنسيق استخباري فوري ومتواصل، وخفض التوترات العسكرية ومنع سوء الفهم، والانخراط الدبلوماسي والتجاري بإشراف أمريكي، وإطار لمعالجة أي خلافات بسرعة.
هذه البنود، كما نقلتها مصادر إسرائيلية وقنوات مثل “القناة 12” و”آي 24 نيوز”، أوحت بأن الأمر يتجاوز مجرد “خط ساخن” أمني، ليمسّ بنية العلاقة ذاتها، وينقلها من مربع الاشتباك غير المنضبط إلى إدارة منظمة للصراع، وربما لاحقاً لإعادة تعريفه.
إسرائيل، عبر مكتب نتنياهو، قالت إنها جددت التزامها “بتعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة”، وناقشت كذلك “ضرورة دفع التعاون الاقتصادي مع سوريا”، في إشارة لافتة إلى أن “الاقتصاد” حاضر في الخلفية، حتى وإن لم يكن عنوان المرحلة الأولى.
وفي المقابل، نقلت رويترز عن مسؤول سوري –طلب عدم كشف اسمه– موقفاً سورياً يشير إلى أنه “لا يمكن الانتقال إلى أي ملفات استراتيجية دون جدول زمني واضح وملزم لخروج القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية”.
المسؤول كشف أن الجولة انتهت بمبادرة أمريكية تقضي بوقف جميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا فوراً، واعتبرها “فرصة تاريخية” لدفع المفاوضات بشكل إيجابي.
لكنه، في الوقت ذاته، ربط أي تقدم نوعي بإعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وعودة القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024.
وهنا يتقاطع السياسي بالأمني، إذ ترى دمشق في هذه المحادثات أداة لاستعادة السيادة، لا بوابة تنازل، وتؤكد –وفق تصريحات مصدر حكومي لوكالة “سانا”– أن الهدف هو “اتفاقية أمنية متكافئة” تضع السيادة السورية “فوق كل اعتبار”، وتمنع أي تدخل في الشؤون الداخلية.
وفد سوري بواجهة دبلوماسية–استخبارية
ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني، بمشاركة رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، في تركيبة تعكس طبيعة المرحلة، وهي الدبلوماسية التي يقودها الأمن، والأمن الذي يتحرك تحت مظلة السياسة.
والتقى الشيباني نظيره الفرنسي جان نويل بارو، لبحث تعزيز الشراكات الاستراتيجية، وإبداء فرنسا استعدادها لعودة شركاتها للعمل في سوريا، ما يضيف بعداً أوروبياً اقتصادياً موازياً للمسار الأمني.
الجدل الشعبي: سلام أم إعادة هندسة للمنطقة؟
ما إن صدر البيان حتى انفجرت منصات التواصل الاجتماعي بنقاشات حادة، حيث توقف كثيرون وفق تتبُّع بقش عند عبارة “ترتيبات دائمة للأمن والاستقرار”، متسائلين: هل تمهّد لمعاهدة سلام؟ هل تعني تطبيعاً مقنّعاً، أم مجرد إدارة مرحلية للتوتر؟
مدونون وناشطون طرحوا سؤال الجولان بوصفه اختبار النوايا الحقيقي: هل ستقود هذه التفاهمات إلى انسحاب إسرائيلي ووقف القصف، أم إنها اتفاق يخدم المصالح الإسرائيلية أولاً، ويكرّس واقع الاحتلال؟
وقال ناشطون إن البيان ينقل العلاقة من مفاوضات غير مباشرة إلى تنسيق أمني واستخباري دائم، مع احتمالات اقتصادية مستقبلية.
لكن التحذير كان حاضراً بقوة، إذ أكد ناشطون أنه ليس سلاماً بل استسلام مغلّف بتفاهمات، معتبرين أن تحويل إسرائيل من “عدو” إلى “شريك تنسيق” يعكس إعادة رسم عميقة للمنطقة، قد لا تكون في صالح سوريا.
واشنطن.. بين كبح إسرائيل وإعادة التموضع
جزء من الجدل ركّز على الموقف الأمريكي ذاته، فبعض الناشطين رأوا أن واشنطن بدت أكثر ميلاً لتقييد التحركات الإسرائيلية في سوريا مقارنة بمواقفها في غزة أو لبنان، ما يطرح تساؤلات حول اختلاف الحسابات الأمريكية باختلاف الساحات.
فهل تسعى واشنطن إلى تثبيت هدوء طويل الأمد في الجبهة السورية تمهيداً لإعادة ترتيب الإقليم؟
أم تحاول إدارة مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق عبر ضبط الفوضى ومنع الانزلاق إلى مواجهات أوسع؟
وبين من يرى في بيان باريس بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، ومن يعتبره سابقة خطيرة قد تحمل مفاجآت كبرى، يبقى المؤكد أن ما جرى ليس حدثاً عابراً، إذ يُعد نقطة انعطاف تعيد تعريف طبيعة الصراع، وتفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة: من إدارة أمنية باردة، إلى تفاهمات أوسع، أو حتى انتكاسة إذا ما اصطدمت الخطوط الحمراء بالوقائع على الأرض.


