الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

السعودية تركز على نفط ومعادن اليمن.. آفاق استثمارية أم نذير تصعيد جديد؟

الاقتصاد اليمني | بقش

دخل ملف الثروات السيادية اليمنية منعطفاً جديداً من التصعيد السياسي عقب إعلان السعودية، في أوائل فبراير، عن قرار من مجلس الوزراء السعودي بتفويض وزير الصناعة والثروة المعدنية للتوقيع على مذكرة تعاون فني في المجال الجيولوجي مع حكومة عدن. هذه الخطوة اندرجت رسمياً ضمن أطر “التعاون الفني وتبادل الخبرات”، لكنها فتحت الباب أمام قراءات متباينة حول مستقبل الثروات المعدنية والنفطية في المناطق الحدودية والشرقية اليمنية، إذ يتيح هذا التحرك تنشيط عمليات التنقيب عن النفط والمعادن في هذه المناطق.

السعودية أشارت إلى أن مذكرة التفاهم الجيولوجية تهدف إلى تعزيز التعاون العلمي والتقني بين هيئة المساحة الجيولوجية في البلدين، والعمل على تبادل المعلومات والخبرات لدعم وتطوير قطاع الثروة المعدنية المشترك، والسعي نحو الاستغلال الأمثل للثروات الطبيعية، وكذا تأسيس قاعدة تعاون طويل الأمد في مجالات المسح الجيولوجي والاستكشاف المعدني. وقُدّمت المذكرة على أنها تعكس حرص المملكة على مساندة المؤسسات الخدمية والتنموية في اليمن.

جدل حول مساعي الرياض.. وصنعاء تعلق

جاء هذا التفويض السعودي في وقت حساس يسوده الجمود في العملية السياسية اليمنية. ووفق تتبُّع مرصد “بقش”، ثمة وجهتا نظر متناقضان تجاه هذه المسألة: الأولى هي أن التركيز السعودي على المجال النفطي والجيولوجي مؤشر على رغبة الرياض في استكشاف الفرص التعدينية والنفطية الكامنة، والثانية هي أن الرياض – في ظل حالة الانقسام المؤسسي باليمن – تحاول تكريس واقع اقتصادي جديد يتجاوز التوافقات الشاملة، ويستغل حاجة حكومة عدن لتأمين موارد مالية بديلة وسط توقف التصدير وتراجع المنح الدولية.

ومن الناحية الاقتصادية، تسعى حكومة عدن إلى إيجاد بدائل تمويلية لرفد خزانتها التي تعاني من عجز جراء توقف تصدير النفط منذ أكتوبر 2022 (بنسبة 65%)، معتبرةً أن الشراكة مع الهيئة العامة للمساحة الجيولوجية السعودية تمثّل مدخلاً لاستغلال موارد غير مستغلة قد تساهم في تحقيق استقرار اقتصادي نسبي.

في المقابل، قوبلت هذه الخطوة بموجة تحفظات وانتقادات من وسائل إعلام محسوبة على سلطات صنعاء. يجادل معارضو الخطوة بأن إبرام اتفاقيات استراتيجية تتعلق بالثروات السيادية وسط حالة الصراع والانقسام المؤسسي يفتقر إلى السند القانوني الجامع، وأن الثروات الطبيعية ملكية عامة تتطلب توافقاً وطنياً شاملاً.

ووفقاً للرؤية نفسها، يُخشى من أن يتحول “التعاون الفني” إلى غطاء لعمليات تنقيب أحادية الجانب في مناطق استراتيجية مثل حضرموت والمهرة، مما قد يؤثر على الحصص المستقبلية لليمن من مكامن النفط والغاز المشتركة في المناطق الحدودية. واستناداً إلى موقفها السابق الذي أدى إلى وقف تصدير النفط من الموانئ الجنوبية، يرجّح أن سلطات صنعاء تنظر إلى أي نشاط تنقيبي مدعوم سعودياً كنوع من “التصعيد الاقتصادي”، مما قد يعيد لغة التهديد العسكري إلى الواجهة مرة أخرى.

في هذا الإطار، حذّرت وزارة الخارجية بصنعاء، في 26 فبراير، من مغبة “المساس بالثروات السيادية”، وقالت حسب اطلاع بقش إن أي اتفاقيات تُبرم مع حكومة عدن هي اتفاقيات باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني. ورأت الوزارة أن الشعب اليمني هو صاحب الحق الحصري في إدارة موارده واختيار شركائه الاقتصاديين، مشبّهةً النهج السعودي الحالي بالسياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية في شن الحروب لنهب ثروات الشعوب. كما أشارت إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة للحرب على اليمن هو إضعاف اليمن اقتصادياً ومنعه من استغلال مقدراته الوطنية.

هذا التضارب يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، فبينما تمضي الرياض في شرعنة تحركاتها عبر اتفاقيات رسمية مع حكومة عدن التي تدعمها المملكة، تلوّح صنعاء بـ”عدم ادخار أي جهد للحفاظ على الثروات”، معتبرةً أن هذه الخطوات تصعيدية وتعرقل مسار السلام.

صهاريج وخزانات متنقلة تدخل اليمن

في السياق، خلال الأيام القليلة الماضية أثيرت موجة تساؤلات بعد تداول مقاطع فيديو لرتل من الشاحنات والمعدات النفطية، القادمة من الحدود السعودية باتجاه هضبة حضرموت. وحسب معلومات بقش، ضمّت الشحنة عشرات الصهاريج والخزانات المتنقلة الضخمة التي دخلت اليمن، دون صدور توضيحات رسمية حول طبيعة هذه المعدات أو وجهتها النهائية.

مؤيدون للمجلس الانتقالي اعتبروا هذه التحركات مؤشراً على ترتيبات أحادية تتعلق بإدارة الموارد النفطية في المحافظات الشرقية، وربطوا بين وصول هذه التعزيزات وبين التوترات القائمة حول السيطرة على مناطق الامتياز النفطي في حضرموت، داعين إلى الشفافية في التعامل مع الثروات السيادية وضمان تمثيل القوى المحلية في الرقابة على الصادرات والواردات النفطية.

من جهة أخرى، رأت تحليلات أن وصول هذه المعدات قد يندرج ضمن الجهود اللوجستية لتعزيز القدرات التخزينية أو تزويد المنشآت الحيوية بالوقود في ظل الأزمات المتكررة للإمدادات.

سيناريوهات متوقعة

يبدو أن التساؤل الأهم لدى الشارع اليمني يدور حول ما إذا كانت هذه التحركات والاتفاقيات ستنعكس على معيشة المواطن أم لا. وبناءً على معطيات الواقع، يبدو أن غياب التوافق على آليات استغلال وتوزيع الموارد يجعل من أي مشروع “استثماري” جديد بؤرةً محتملة للنزاع، بدلاً من أن يكون رافعة للتنمية، إذ يظل ملف السيطرة على حقول النفط والمعادن هو المحرك الأساسي للصراع، مما يجعل من أي تحرك أحادي شرارة محتملة لعودة التصعيد العسكري.

وفي السيناريوهات المتوقعة، تتأرجح الاحتمالات بين مسارين على الأقل، الأول نجاح السعودية وحكومة عدن في البدء بخطوات ميدانية محدودة تحت حماية أمنية مكثفة، وهو ما قد يقابَل بردود فعل سياسية أو عسكرية من طرف حكومة صنعاء، وبالتالي تعقيد مساعي السلام – التي تتحدث عنها الأمم المتحدة – بشكل أكبر.

أما المسار الثاني فهو استغلال هذا الملف كورقة ضغط في المفاوضات الجارية، للوصول إلى اتفاقية شاملة لـ”توزيع الثروة” تضمن استئناف التصدير من كافة الحقول مقابل دفع الرواتب، وهو المطلب الذي تضعه صنعاء كشرط أساسي لأي تهدئة مستدامة.

ويبقى قرار التفويض السعودي للتنقيب والتعاون الجيولوجي مع حكومة عدن تحركاً محمّلاً بالدلالات السياسية بقدر ما هي اقتصادية، وبين الطموح الاستثماري والمخاوف السيادية، يبقى ملف الثروات اليمنية أحد أعقد ملفات الأزمة، بانتظار تسوية سياسية شاملة تضع معايير واضحة لادارة الموارد الوطنية بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي والمحلي.

زر الذهاب إلى الأعلى