
الاقتصاد العربي | بقش
علقت السعودية أعمال البناء لمشروع ناطحة السحاب العملاقة على شكل مكعب، التي كان من المقرر أن تصبح محور تطوير وسط العاصمة الرياض ضمن مشروع “المربع الجديد”، ووفق اطلاع “بقش” على ما نشرته رويترز، فإن هذا القرار يأتي في إطار مراجعة شاملة للتمويل وجدوى المشروع الاقتصادية، في وقت تعمل فيه المملكة على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وسط ضغوط مالية متزايدة وارتفاع تكاليف المشاريع الكبرى المرتبطة برؤية 2030.
وكان يُخطط أن يكون المبنى على شكل مكعب ضخم بأبعاد 400 متر في 400 متر، مزوداً بقبة عرض ضخمة تعمل بالذكاء الاصطناعي، وهي الأكبر من نوعها عالمياً، يمكن للزوار مشاهدتها من برج حلزوني داخلي يزيد ارتفاعه عن 300 متر.
ويستهدف المشروع توفير نحو مليوني متر مربع من المساحات الداخلية، ما يجعله أكبر هيكل منفرد في العالم، ويستوعب ما يقارب 20 مبنى بحجم مبنى “إمباير ستيت” الضخم بنيويورك.
وكان من المخطط أن يُنجز المشروع بحلول عام 2030، لكنه الآن بات مهدداً بالتأجيل حتى 2040، ما يعكس تغيّر استراتيجية الإنفاق والاستثمار في المملكة. وأكد الرئيس التنفيذي لشركة تطوير المربع الجديد، مايكل دايك، خلال مؤتمر الرياض في ديسمبر 2025، أن المشروع يمثل تحدياً فريداً، وأن “محاولة إيجاد حل لشيء غير موجود اليوم أمر صعب للغاية”.
الأولوية لمشاريع أخرى
وفق المصادر، توقف العمل بعد الانتهاء من حفر التربة ووضع الركائز، في حين يستمر تطوير العقارات المحيطة بالمشروع، ما يعكس أن التعليق لم يشمل كل أعمال البنية التحتية المحيطة. وأشارت المصادر إلى أن مستقبل المشروع بات غامضاً، حيث لم يُتخذ قرار نهائي بشأن استكماله أو إعادة هيكلته.
ويُعد تعليق العمل تغييراً في سياسة الإنفاق السعودية، حيث بدأ صندوق الاستثمارات العامة، الذي يدير أصولاً بقيمة 925 مليار دولار، بتقليص الطموحات المرتبطة بالمشاريع الضخمة والتركيز على مبادرات أكثر ربحية وعاجلة. وحسب قراءة بقش، تشمل هذه المبادرات تطوير البنية التحتية لمعرض “إكسبو 2030″، واستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2034، بالإضافة إلى مشروع “الدرعية الثقافي” متعدد الاستخدامات، ومشروع القدية السياحي الضخم.
كما بدأ الصندوق توجيه الاستثمارات نحو قطاعات أسرع عائداً مثل الخدمات اللوجستية، التعدين، والذكاء الاصطناعي، وذلك بعد شطب 8 مليارات دولار من الاستثمارات في المشاريع الكبرى بنهاية عام 2024. ويأتي هذا في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط عن المستويات المطلوبة لتمويل الطموحات الاقتصادية، ما يزيد الضغوط على الموازنة العامة للمملكة ويُجبر على إعادة تقييم المشاريع الكبرى.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروع
قدّرت شركة الاستشارات العقارية “نايت فرانك” تكلفة مشروع “المربع الجديد” بنحو 50 مليار دولار، أي ما يقارب الناتج المحلي الإجمالي للأردن.
وكانت التقديرات الحكومية السابقة التي طالعها بقش تشير إلى أن المشروع سيضيف 180 مليار ريال إلى الناتج المحلي للمملكة ويوفر 334 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى 104 آلاف وحدة سكنية، إذا اكتمل بحلول 2030.
وإضافةً إلى الأثر الاقتصادي المباشر، أثار تصميم المكعب الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب تشابهه الظاهر مع الكعبة المشرفة، ما أدى إلى نقاش واسع حول الجوانب الرمزية للمشروع. وهذا يبرز حساسية المشروع ليس فقط من الناحية المالية والفنية، بل أيضاً من الناحية الثقافية والاجتماعية، وهو ما قد يؤثر على الدعم الشعبي والمستثمرين المحليين والدوليين.
والمكعب هو أول مشروع في العاصمة يخضع لإعادة تقييم شاملة للجدوى، في حين تجري المملكة مراجعة لعدة مشاريع كبرى أخرى، من بينها تأجيل استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 في “تروجينا” ضمن مشروع “نيوم”، بالإضافة إلى بعض مشاريع “ذا لاين” والمدن الذكية الأخرى، التي شهدت تقليصاً أو إعادة جدولة بسبب الحاجة إلى ضبط التكاليف.
وفقاً لوزير الاقتصاد السعودي فيصل الإبراهيم، فإن الحكومة تعتمد “نهجاً شفافاً للغاية”، ولن يكون هناك تردد في تعديل أو تأجيل أو تغيير حجم أي مشروع إذا اقتضت الضرورة.
ومع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، من المتوقع أن تركز الحكومة السعودية على مشاريع توفر عوائد أسرع وأكبر قابلية للربحية، بما في ذلك السياحة والثقافة والتقنيات الحديثة، بينما تبقى المشاريع الرمزية الضخمة، مثل المكعب، عرضة للتأجيل أو إعادة الهيكلة.
ومن المحتمل أن تؤثر هذه السياسة على السوق العقارية في الرياض، وعلى فرص الاستثمار المحلي والدولي، إضافة إلى تشكيل تجربة عمرانية وثقافية جديدة في العاصمة.
يمثل تعليق العمل في مشروع المكعب العملاق مؤشراً على تغيير الاستراتيجية السعودية في إدارة المشاريع الكبرى، من الطموحات العمرانية المذهلة إلى أولويات أكثر واقعية وربحية. ويبرز القرار التحديات التي تواجه تنفيذ مشاريع ضخمة في ظل ضغوط مالية واقتصادية، وما يرافقها من تبعات اجتماعية وثقافية، وهو ما يعكس أهمية الموازنة بين الطموح الاقتصادي والجدوى العملية في المرحلة المقبلة.


