حكومة الزنداني الجديدة بدعم من السعودية.. رهان اقتصادي هش وسط تصدعات سياسية وأمنية

الاقتصاد اليمني | بقش
جاء إعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة “شائع الزنداني” في لحظة بالغة التعقيد، تداخلت فيها الأزمات الاقتصادية الخانقة مع التوترات السياسية والأمنية داخل معسكر الشرعية نفسه. فالحكومة التي أُعلن عن تشكيلها أمس الجمعة، 06 فبراير، تواجه تحديات إدارة دولة منهكة وامتحاناً لمدى قدرتها على البقاء والعمل من الداخل، وسط تراجع الموارد السيادية.
وحسب قراءة مرصد “بقش”، فإن التشكيل الحكومي، الذي ضم 35 وزيراً، يعكس طبيعة المرحلة أكثر مما يعكس توجهاً إصلاحياً جذرياً، إذ طغت اعتبارات التوازنات الجغرافية والسياسية والحزبية على حساب تقليص الجهاز التنفيذي أو ضخ دماء تكنوقراطية خالصة.
ويكشف العدد الكبير في جوهره حجم التعقيد داخل بنية الشرعية، ومحاولتها احتواء تناقضاتها الداخلية بدل الدخول في مواجهات مفتوحة قد تعصف بما تبقى من مؤسساتها.
وحافظت الحكومة الجديدة على عدد من الوزراء السابقين، في خطوة فسّرها مراقبون باعتبارها خياراً اضطرارياً أكثر منها قناعة بالأداء. كما برز في هذا السياق، احتفاظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، في خطوة تعكس توجهاً لتركيز القرار الدبلوماسي والسياسي الخارجي بيد رئاسة الحكومة لتعزيز قدرة الحكومة على حشد الدعم الخارجي.
وجوه الوزارات الاقتصادية
وحمل التشكيل وجوهاً جديدة في وزارات اقتصادية محورية، ما جعل الأنظار تتجه إليها بوصفها مفاتيح المرحلة المقبلة. ويبرز هنا تعيين مروان بن غانم وزيراً للمالية، في الوقت الذي لم تعد فيه الوزارة معنية بإدارة الإيرادات بقدر ما أصبحت مسؤولة عن إدارة العجز، وتأمين الرواتب، ومحاولة ضبط الإنفاق في ظل توقف أهم مصادر الدخل (النفط). ويُنظر إلى هذه الحقيبة باعتبارها الأكثر ارتباطاً مباشرة باستئناف تصدير النفط أو الحصول على دعم خارجي مستدام، من دون أي ضمانات حقيقية حتى الآن.
وتشير متابعات بقش إلى أن مروان بن غانم شغل قبل تعيينه وزيراً عدداً من المناصب الفنية والإدارية في وزارة المالية، منها عمله كوكيل للوزارة لقطاع الوحدات الاقتصادية. ويُذكر أنه نجل فرج بن غانم، الذي تولى رئاسة الوزراء عام 1997.
كما تكتسب وزارة التخطيط والتعاون الدولي، التي تولتها الدكتورة أفراح الزوبة، أهمية استثنائية في هذه المرحلة، كونها البوابة الأساسية لاستعادة ثقة المانحين والمؤسسات الدولية، بعد تراجع المساعدات.
وتعوّل الحكومة على هذه الوزارة لإعادة تقديم نفسها كشريك إصلاحي قادر على إدارة الدعم بشفافية، غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهوناً بعمل الحكومة من الداخل، وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني.
أما وزارة الكهرباء، التي آلت إلى المهندس عدنان الكاف، فتُعد أحد أكثر الملفات حساسية لدى الشارع، خصوصاً في عدن، حيث تمثل أزمة الكهرباء عنواناً دائماً لفشل الحكومات المتعاقبة. ويُنظر إلى هذه الحقيبة بوصفها الامتحان المباشر لجدية الحكومة في مكافحة الفساد، خصوصاً في ملف الطاقة المشتراة والمنح الخارجية، إذ إن أي إخفاق جديد قد يبدد سريعاً ما تبقى من رصيد الثقة الشعبية.
استئناف النفط: عمل الحكومة بلا شريان مالي
ويظل ملف النفط والغاز هو العقدة الأكبر أمام حكومة الزنداني، مع تعيين الدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، فتوقف صادرات النفط منذ أواخر 2022 حرم الحكومة من نحو 65% من إيراداتها العامة وفق بيانات بقش، وأسهم في تدهور العملة الوطنية وتفاقم العجز المالي.
لكن، وحتى الآن، لا تلوح في الأفق حلول واضحة لاستئناف التصدير أو مؤشرات على اتفاق مع حكومة صنعاء من أجل استئناف التصدير، في ظل استمرار التهديدات للموانئ منذ أكتوبر 2022، وتعقيدات المشهد الإقليمي، ما يجعل الحكومة تعمل عملياً بلا شريان مالي حقيقي.
لذا فإن أولويات حكومة الزنداني الجديدة تشير إلى أن مسار عملها الاقتصادي والسياسي سيظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالدعم السعودي الذي يشكل اليوم العمود الفقري لبقاء الحكومة واستمرار عمل مؤسسات الدولة.
فقد شكلت التحديات الداخلية، من خروج الإيرادات السيادية عن السيطرة إلى توقف صادرات النفط، عاملاً حاسماً دفع الحكومة للارتكاز على الشريك الإقليمي الأكثر قدرة على توفير السيولة والدعم الفني والسياسي.
ويأتي هذا الاعتماد مرتبطاً بنواحٍ عديدة مثل إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه، الأمر الذي يجعل المنح السعودية للوقود الركيزة الأساسية لإبقاء الدولة قيد التشغيل.
كما تعتمد وزارة المالية على المساعدات الخارجية لتغطية الرواتب والإيرادات التشغيلية للقطاعات الحيوية، وسط توقف صادرات النفط.
الأبعاد السياسية لهذا الاعتماد واضحة أيضاً، إذ يشكل الدعم السعودي غطاءً سياسياً للحكومة، ويعطيها نفوذاً نسبياً في إدارة النزاعات الداخلية، بما في ذلك الاضطراب في محافظة حضرموت. لكن في المقابل، هذا الاعتماد يضع الحكومة تحت ضغط مستمر للالتزام بالخطوط السياسية والاقتصادية التي يحددها الشريك الإقليمي، ويجعلها أقل قدرة على اتخاذ قرارات سيادية كاملة، خصوصاً في ملفات النفط والغاز والموارد الطبيعية.
ويبدو واضحاً أن أي استئناف لتصدير النفط أو تحسين قطاع الطاقة لن يتحقق إلا ضمن إطار الدعم السعودي، سواء عبر التمويل المباشر أو الضمانات الأمنية للموانئ وخطوط التصدير، ما يضع وزارة النفط ووزارة المالية أمام رهان مزدوج يتمثل في إدارة الأزمة الداخلية مع المواطنين، وضمان عدم فشل برامج الدعم الخارجي.
وفي المحصلة، تبدو حكومة الزنداني في وضع اعتمادي شبه كامل على الدعم السعودي، سواء لإدارة أزماتها الاقتصادية، أو لتأمين استقرارها السياسي والأمني، أو لضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة من عدن.
هل يعود مسؤولو الحكومة إلى عدن؟
وتظل مسألة عمل حكومة عدن من عدن قضية محورية وحساسة، إذ تُعد امتحاناً لقدرتها على تحويل خطابها السياسي إلى حضور فعلي على الأرض.
فخلال الفترات الماضية، رفض مسؤولو الحكومة العودة للعمل في عدن، رغم القرارات المتكررة لرئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي بعودتهم.
وهذه التجربة السابقة تركت آثاراً عميقة على كفاءة الأداء الحكومي، إذ أدى العمل من الخارج إلى بطء اتخاذ القرار، وتأخر تنفيذ المشاريع، وضعف الرقابة على صرف الموارد، كما لم يتم تحقيق أي تقدم يُذكر في الخدمات والعمل السياسي.
ويبقى تفعيل كفاءة حكومة الزنداني مرهوناً بالعمل فعلياً من الداخل، خصوصاً مع الدعم السعودي الذي يغطي الأبعاد المالية والأمنية، بعد أن عملت المملكة على تفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.
ويشير اقتصاديون إلى أن الواقع المعقد في عدن والمناطق المجاورة، وتكرار حوادث السيطرة على مواقع استراتيجية مثل مطار سيئون في حضرموت، يضعف من قدرة الحكومة ويزيد من المخاطر المرتبطة بالعودة الكاملة.
وأمس الجمعة، أفادت مصادر محلية بتعرض متظاهرين أمام مطار سيئون للاعتقال من قبل قوات الطوارئ اليمنية المدعومة من السعودية، بعد مشاركتهم في حملة رفع أعلام الجنوب، واقتادتهم إلى جهة مجهولة. وجاءت هذه الأحداث بعد إطلاق النار من القوات اليمنية النار لتفريق متظاهرين من أبناء حضرموت، عقب رفعهم أعلام الجنوب بالقرب من مطار سيئون، بعد مشاركتهم في فعالية “الثبات والصمود” في المدينة بدعوة من المجلس الانتقالي.
وسجلت هذه الأحداث توتراً أمام مطار سيئون أثناء محاولات تفريق المحتجين بالقوة واطلاق النار، ما أدى إلى تصاعد حالة الاحتقان الشعبي.
وورد أن قوات محسوبة على الانتقالي أقدمت على اقتحام مطار سيئون ورفع أعلام الانفصال فوق المنشأة الحيوية، قبل أن تقوم قوات الطوارئ بعملية التفريق وإجهاض ما وُصف إعلامياً بـ”المحاولة الانقلابية”.
أخيراً، يمكن القول إن الحكومة الجديدة أمام معادلة دقيقة، وهي العمل من الداخل كضرورة لاستعادة ثقة المواطنين ولضمان فعالية السياسات الاقتصادية والخدمية، مقابل المخاطر الأمنية والسياسية التي قد تجبرها على الاستمرار في العمل من الخارج.


