الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

القرن الأفريقي على صفيح ساخن.. صراع النفوذ السعودي الإماراتي يطغى على القمة الأفريقية

الاقتصاد العربي | بقش

ألقت المنافسة المتصاعدة بين السعودية والإمارات بظلالها الثقيلة على أعمال قمة الاتحاد الأفريقي المنعقدة هذا الأسبوع، في مشهد يعكس تحوّل القرن الأفريقي إلى ساحة تجاذب إقليمي تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والعسكرية، وسط مساعٍ من قادة القارة لتجنّب الانحياز العلني لأي من الطرفين.

وحسب اطلاع “بقش” على تقرير لوكالة رويترز، فإن التوتر بين الرياض وأبوظبي لم يعد محصوراً في ملف اليمن، بل تمدد عبر البحر الأحمر ليطال واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة واضطراباً، تشمل الصومال والسودان وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، وصولاً إلى ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي.

من اليمن إلى عمق القرن الأفريقي

ما بدأ كمنافسة مرتبطة بالحرب في اليمن تطوّر تدريجياً إلى سباق نفوذ أوسع على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، فالممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن، التي تُعد شرايين رئيسية للتجارة العالمية، كانت نقطة الانطلاق، غير أن نطاق التنافس اتسع ليشمل مناطق داخلية بعيدة عن الساحل.

وقال دبلوماسي أفريقي كبير لرويترز إن السعودية “استيقظت وأدركت أنها قد تخسر البحر الأحمر”، معتبراً أن الرياض كانت أقل حضوراً في السنوات الماضية، بينما عززت الإمارات وجودها بقوة في القرن الأفريقي عبر استثمارات بمليارات الدولارات، وتحركات دبلوماسية نشطة، فضلاً عن دعم عسكري سري في بعض الملفات.

وبينما ظلت السعودية أقل بروزاً في المشهد العلني، يؤكد دبلوماسيون أن الرياض تعمل على بناء تحالف إقليمي يضم مصر وتركيا وقطر، في مسعى لإعادة موازنة النفوذ في منطقة تعتبرها ذات أهمية استراتيجية لأمنها القومي.

ورغم أن النزاعات في القرن الأفريقي ذات جذور محلية عميقة، فإن تورط قوى خليجية فاعلة جعل عدداً من الدول والأقاليم وحتى الفاعلين المسلحين غير الحكوميين أمام معادلة صعبة، فإما الانحياز إلى هذا المعسكر أو ذاك، أو محاولة المناورة بينهما دون خسارة الدعم.

مايكل وولدمريم، خبير شؤون القرن الأفريقي في جامعة ماريلاند، أشار، حسب قراءة بقش تقرير رويترز، إلى أن عدداً من الفاعلين الإقليميين، بمن فيهم إريتريا وجيبوتي والصومال والقوات المسلحة السودانية، أبدوا انزعاجاً من السياسة الخارجية الإماراتية التي وصفها بأنها “قوية”، لكنه أضاف أن الإمارات تمتلك نفوذاً كبيراً في المنطقة، سواء من خلال وجود عسكري خارج حدودها أو عبر شبكات مالية واسعة.

في المقابل، يقول مسؤولون سعوديون إن تحركات الإمارات في اليمن ومنطقة البحر الأحمر تمثل تهديداً مباشراً لأمن المملكة، أما كبار المسؤولين الإماراتيين فيؤكدون أن استراتيجيتهم تهدف إلى دعم الدول في مواجهة الجماعات المتطرفة، في حين يرى خبراء في الأمم المتحدة ومسؤولون غربيون أن بعض هذه التحركات ساهمت أحياناً في تأجيج النزاعات أو تعزيز نفوذ قادة ذوي نزعة سلطوية، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

أرض الصومال: شرارة جديدة للتوتر

واحد من أبرز تجليات هذا التنافس تمثل في اعتراف إسرائيل بحملة استقلال أرض الصومال، وهي خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية في مقديشو نتيجة ضغوط إماراتية، ما دفعها إلى قطع علاقاتها بالكامل مع أبوظبي.

وفي تطور لافت، وقّعت الصومال اتفاقية دفاع مع قطر، فيما أرسلت تركيا طائرات مقاتلة إلى العاصمة مقديشو في استعراض قوة واضح، وأعاد هذا التحرك ترتيب التحالفات في البلاد، وكرّس اصطفافات جديدة تعكس عمق التداخل بين التوازنات الخليجية والملفات الأفريقية.

التوترات لم تتوقف عند الصومال. فالعلاقة بين إثيوبيا، الدولة المضيفة لمقر الاتحاد الأفريقي، وجارتها إريتريا، تشهد تصعيداً خطيراً بعد أشهر من الاحتقان الذي وضع البلدين على حافة المواجهة، وزار الرئيس الإريتري السعودية مؤخراً، في خطوة فسّرها محللون على أنها مؤشر إلى دعم سعودي لأسمرة في هذا التوقيت الحساس.

أما في السودان، فتبدو خطوط الانقسام أكثر وضوحاً، فجميع المصادر والخبراء الذين تحدثت إليهم رويترز أكدوا أن السعودية والإمارات تدعمان أطرافاً متعارضة في الحرب الدائرة هناك، إذ تُتهم أبوظبي بتقديم دعم لوجستي لقوات الدعم السريع السودانية، بينما تميل الدول المتحالفة مع السعودية إلى دعم الجيش السوداني.

وفي سياق متصل، أفاد مسؤولون أمنيون بأن مصر، الحليف الوثيق للرياض، نشرت طائرات مسيّرة تركية على حدودها واستخدمتها في ضرب مواقع لقوات الدعم السريع داخل السودان، ما يعكس تشابك الأدوار الإقليمية في ساحة الصراع.

من جهة أخرى، كشفت رويترز هذا الأسبوع أن إثيوبيا تستضيف قاعدة في غرب البلاد يُعتقد أنها تُستخدم لتجنيد وتدريب مقاتلين من قوات الدعم السريع، وهو ما يعزز فرضية استفادة أديس أبابا من علاقاتها الوثيقة مع الإمارات، رغم أن الحكومة الإثيوبية لم تعلّق علناً على هذه المعلومات.

قمة مثقلة بالأزمات

خبراء يرون أن السعودية تميل في كثير من الأحيان إلى العمل من خلال الحلفاء والوكلاء، بدلاً من الانخراط المباشر، في مقابل نهج إماراتي أكثر حضوراً ووضوحاً على الأرض.

ومع ذلك، يتوقع وولدمريم أن تتعامل الدول الأفريقية بحذر شديد، حتى تلك التي تبدي تحفظات على نفوذ أبوظبي. فالتورط في صراع مفتوح بين قوتين خليجيتين بارزتين قد يحمل كلفة سياسية وأمنية باهظة.

ورغم أن القرن الأفريقي يفرض نفسه على أجندة القمة، إلا أنه ليس الملف الوحيد المطروح، فالحرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية مستمرة، كما تتصاعد أنشطة جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل، لكن كثيرين يرون أن التنافس الخليجي في القرن الأفريقي بات يحتل موقع الصدارة، متقدماً على أزمات أخرى.

وأصبح القرن الأفريقي ساحة فرعية لمنافسات الشرق الأوسط وفقاً لـ”أليكس روندوس”، الممثل الخاص السابق للاتحاد الأوروبي في المنطقة، متسائلاً عما إذا كانت الرياض وأبوظبي تدركان تماماً تداعيات هذا التنافس، وما إذا كانت دول المنطقة ستسمح بأن تتشظى بفعل صراعات خارجية وشركائها المحليين.

قمة الاتحاد الأفريقي تكشف عن واقع جيوسياسي جديد، حيث لم تعد الصراعات في القرن الأفريقي شأناً محلياً أو قارياً فحسب، بل جزءاً من شبكة أوسع من التنافسات الإقليمية، وبين محاولات القادة الأفارقة الحفاظ على التوازن، وتزايد تدخل القوى الخارجية، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم قد يغير خارطة النفوذ في البحر الأحمر وعمق القارة لسنوات مقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى