الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

النفط الروسي يرسّخ حضوره في الهند رغم الضغوط الأمريكية

الاقتصاد العالمي | بقش

رغم تصاعد الضغوط الأمريكية وتوسّع نطاق العقوبات الغربية على قطاع الطاقة الروسي، ما تزال الهند تحافظ على مستوى مرتفع من وارداتها من النفط الخام الروسي، مستفيدةً من الخصومات السعرية الكبيرة التي مكّنتها من تقليص فاتورة الاستيراد بمليارات الدولارات، وفي الوقت نفسه وفّرت لموسكو متنفساً مالياً مهماً في ظل القيود المفروضة عليها.

وخلال معظم العام الماضي، تصدّر الخام الروسي قائمة مشتريات الهند النفطية، متجاوزاً الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، وهو تحوّل استراتيجي بدأ منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022 وفق مراجعة بقش. ورغم التهديدات الأمريكية المتكررة، والحديث عن رسوم جمركية وعقوبات ثانوية، فإن التدفقات النفطية من روسيا لم تتراجع بالشكل الذي توقّعه كثيرون في الأسواق العالمية.

وتستورد الهند حالياً قرابة 1.3 مليون برميل يومياً من النفط الروسي حسب اطلاع بقش، بعد أن كانت الواردات قد تجاوزت مليوني برميل يومياً في ذروة المشتريات. وتشير بيانات ديسمبر الماضي إلى استقرار هذا المستوى، مع ترجيحات باستمراره خلال الأشهر الأولى من عام 2026، في ظل غياب بدائل توفر مزايا سعرية مماثلة.

وزير النفط الهندي، هارديب بوري، أشار خلال فعالية تمهيدية لانعقاد “أسبوع الطاقة في الهند” في ولاية غوا، إلى أن أسواق الطاقة العالمية أصبحت “أكثر تعقيداً”، رغم عدم وجود نقص فعلي في الإمدادات. وأكد أن قرارات بلاده النفطية تخضع في المقام الأول لاعتبارات السوق، في إشارة واضحة إلى أولوية السعر والكفاءة الاقتصادية على الاعتبارات السياسية.

وتُعد إشكالية النفط الروسي محوراً رئيسياً للنقاشات الجارية في الأوساط الهندية، إلى جانب قضايا أخرى تشمل الزيادة المرتقبة في إمدادات الغاز العالمية، والعودة المتزايدة للاعتماد على الطاقة النووية.

ضغوط واشنطن وإعادة التوازن

الضغوط الأمريكية تركت أثراً نسبياً على سلوك الشركات الهندية، إذ سعت نيودلهي إلى إعادة التوازن بين مورديها النفطيين. فبعد سنوات من الاعتماد المكثف على الخام الروسي، بدأت الهند تعيد فتح قنوات الإمداد التقليدية من الشرق الأوسط.

في هذا السياق، تحرّكت شركة “بهارات بتروليوم” لتأمين كميات طويلة الأجل من خام مربان الإماراتي، وخام البصرة العراقي، إضافة إلى الخام العُماني، عبر مناقصات رسمية. في المقابل، كثّفت شركة “إنديان أويل” نشاطها في السوق الفورية، بحثاً عن فرص مرنة تتيح لها الاستفادة من فروق الأسعار.

غير أن تراجع سعر خام الأورال الروسي، نتيجة العقوبات الأمريكية المفروضة على كبار المنتجين، جعل من الصعب على المصافي الهندية تجاهل هذه البراميل منخفضة التكلفة. وحتى شركة “ريلاينس إندستريز”، التي اتسم موقفها بالحذر خلال الفترة الماضية، عادت لتقديم طلبات شراء لشحنات روسية غير خاضعة للعقوبات.

وتواصل كل من “إنديان أويل”، و”بهارات بتروليوم”، إضافة إلى شركة “نايارا إنرجي” الخاضعة للعقوبات، استيراد الخام الروسي بانتظام.

ويرى آرنه لومان راسموسن، كبير المحللين في شركة “إيه/إس غلوبال ريسك مانجمنت”، أن النفط “سيجد دائماً طريقه إلى الأسواق”، موضحاً أن مزيج العقوبات الأمريكية وحظر الاتحاد الأوروبي على المنتجات المشتقة من الخام الروسي يزيد الطلب على البراميل غير الخاضعة للعقوبات، لكنه لا يدفع الهند إلى التخلي عن هذه الواردات. وأعرب عن شكوكه في أن تتوقف نيودلهي عن استيراد النفط الروسي في المدى المنظور.

وعلى الرغم من إدراج الولايات المتحدة شركتي “روسنفت” و”لوك أويل” على القائمة السوداء في أكتوبر الماضي، وهو ما دفع بعض التوقعات إلى الحديث عن انهيار وشيك في الواردات، فإن محللين ومتداولين يؤكدون أن هذا السيناريو لم يتحقق، وأن التدفقات بعيدة جداً عن الاقتراب من الصفر.

تنويع محسوب واستراتيجية مرنة

وفق نافين داس، كبير محللي النفط الخام في شركة “كبلر”، فإن الهند ستُبقي على “حمل أساسي صحي” من الخام الروسي، بالتوازي مع توسيع تعاونها مع موردي الشرق الأوسط، واستكشاف فرص جديدة مثل الخام الفنزويلي غير الخاضع للعقوبات.

وستواصل الهند البحث عن أفضل الأسعار وأعلى هوامش الربح لمصافيها، مع تعديل سلة الواردات بشكل تدريجي، وهو ما يعني خفضاً محدوداً في الواردات الروسية، لا قطيعة كاملة معها.

وتبرز عدة عوامل قد تدفع إلى تغيير هذا المسار، أبرزها احتمال التوصل إلى اتفاق تجاري بين الهند والولايات المتحدة. ففي حال إبرام اتفاق نهائي، قد تجد نيودلهي نفسها مضطرة إلى اتخاذ موقف أكثر تحفظاً تجاه النفط الروسي، مراعاةً لعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع واشنطن.

وكان ترامب أعلن خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأسبوع الماضي، أن بلاده والهند بصدد إبرام “اتفاق تجاري جيد”، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.

عاملٌ آخر يتمثل في سعي الهند إلى توسيع شبكة علاقاتها التجارية، وعدم حصر خياراتها في إطار الشراكة التاريخية مع روسيا، خصوصاً مع استمرار توسّع قدرات التكرير المحلية.

ووفقاً لتقديرات حكومية اطلع عليها بقش، من المتوقع أن ترتفع الطاقة التكريرية للهند إلى 309.5 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، مقارنةً بـ258 مليون طن حالياً. وأكد بوري أن عدد مصادر إمداد الهند بالنفط ارتفع إلى 41 مصدراً، بعد أن كان 27 مصدراً فقط قبل سنوات قليلة.

تتزامن هذه التحولات مع دخول سوق النفط العالمية مرحلة فائض في الإمدادات، ما يمنح الهند، بصفتها ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، هامشاً واسعاً للمناورة. فحتى في حال خفّضت وارداتها من الخام الروسي، لن تواجه عقوبات مباشرة أو نقصاً في الإمدادات.

وتظل الهند واحدة من أبرز مراكز الطلب العالمية، وتملك من المرونة ما يسمح لها بإعادة تشكيل استراتيجيتها النفطية وفقاً لمصالحها الاقتصادية، دون الارتهان لمصدر واحد.

هذا وتُعقد فعاليات “أسبوع الطاقة في الهند” في الفترة من 27 إلى 30 يناير، وسط ترقّب واسع لمآلات هذا التوازن الدقيق بين الاقتصاد، والسياسة، والطاقة.

زر الذهاب إلى الأعلى