تقارير
أخر الأخبار

النمسا آخرها.. لماذا ترفض الدول الأوروبية فتح أجوائها لـ أمريكا من أجل ضرب إيران؟

تقارير | بقش

دول أوروبية عدة اعتبرت أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي حرب أمريكا وإسرائيل حصراً، رافضةً السماح للولايات المتحدة باستخدام أجوائها لشن الهجمات على إيران، وهو ما يُقرأ بأنه نوع من الخشية من التورط المباشر لعدد من العوامل التي يستعرضها “بقش” في هذا التقرير.

آخر هذه الدول هي النمسا، فقد أعلنت، وفق متابعة “بقش”، رفض كل الطلبات الأمريكية الرسمية لعبور الأجواء النمساوية من أجل شن هجمات على إيران، مؤكدةً التزامها الصارم بالقانون الذي يحظر استخدامها في حالات الحرب والنزاع المسلح.

قبل ذلك، أعلنت فرنسا رفضها السماح بعبور الأسلحة الأمريكية أو استخدام أجوائها، معتبرة أن أي هجوم محتمل “غير قانوني ويتعارض مع القانون الدولي”. وجاء الموقف الفرنسي -الذي هاجمه ترامب- من منطلق أن الحلول العسكرية لا تعالج جذور الأزمة، وهي ذات وجهة النظر الصينية. ودعت باريس إلى التفاوض ووقف التصعيد لتجنب تداعيات أكبر على الاستقرار الإقليمي والعالمي.

واتبعت إسبانيا موقفاً صارماً وملحوظاً أشادت به إيران نفسها، من خلال إغلاق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الحربية الأمريكية المشاركة في العمليات، لتأكيد منع تحويل الأراضي الإسبانية إلى منصات إطلاق ضد إيران. كما انضمت إيطاليا إلى هذا الموقف، ومنعت استخدام أجوائها لأغراض العمليات العسكرية الأمريكية، لتجنب أي تورط مباشر في النزاع.

وفي حين أشارت تقارير إلى رفض بريطانيا في البداية السماح للولايات المتحدة بشن هجمات من أراضيها، إلا أن موقف لندن شهد بعض التراجع لاحقاً، ما سمح باستخدام قواعد مثل RAF Fairford لاستقبال قاذفات B-1 وB-52 الأمريكية، وهو ما يعكس حالة من التباين داخل أوروبا نفسها.

رفض الدول الأوروبية فتح أجوائها أمام الولايات المتحدة يُنظر إليه بأنه يحدّ من خيارات واشنطن اللوجستية ويزيد من تعقيد تنفيذ الهجمات العسكرية على إيران، خصوصاً في ظل استمرار تبادل الضربات الجوية والصاروخية. كما أن استمرار هذا الانقسام الأوروبي يضيف ضغطاً على الأسواق العالمية، حيث أدت الهجمات وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاطر الاقتصادية الدولية.

فتح جبهة ضد أمريكا.. لماذا الرفض الأوروبي؟

الموقف النمساوي، ومواقف باقي الدول، أظهر ملامح تصدع واضح في “الغطاء الدولي” للتحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وحسب قراءات “بقش” فإن هذا الرفض نتاج حسابات استراتيجية واقتصادية بالغة التعقيد.

في البدء، تريد هذه الدول، كما هو ظاهر، الحفاظ على الحياد والشرعية الدولية. النمسا على سبيل المثال تتمسك بموجب دستورها وتاريخها، بمبدأ “الحياد الدائم”، وهو ما يمنعها قانوناً من الانخراط في نزاعات عسكرية لا تحظى بتفويض مباشر من الأمم المتحدة. وترى الدول الأوروبية الرافضة أن المشاركة في تسهيل ضربات “غير قانونية” وفق المنظور الدولي قد يعرضها لملاحقات قانونية أو إدانات داخلية من شعوبها التي تميل تاريخياً للدبلوماسية.

وتدرك العواصم الأوروبية أن أي حرب شاملة مع إيران تعني انهيار الاستقرار في رقعة جغرافية واسعة تشمل العراق وأجزاء من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وهذا الانهيار ربما يؤدي إلى موجات نزوح بشرية هائلة باتجاه القارة العجوز، وهو أمر لا تطيقه الحكومات الأوروبية التي تعاني أصلاً من تصاعد التيارات اليمينية المناهضة للهجرة.

واقتصادياً، تعيش أوروبا حالة من الهشاشة منذ أزمة أوكرانيا، ويعني ضرب إيران خروج مضيق هرمز عن السيطرة تماماً وفقدان الدول الأوروبية كروت التفاوض على إيران بشأن المضيق، وهو ما قد يدفع أيضاً أسعار النفط لتجاوز حاجز 200 دولار للبرميل. وسيقود هذا السيناريو إلى شلل في الصناعات الأوروبية وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة لا تستطيع الميزانيات العامة تحمله.

ويُراد كذلك حماية الاستثمارات الأوروبية في المنطقة، فدول مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا أيضاً تمتلك مصالح اقتصادية واتفاقيات تجارية واسعة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، والانخراط في عمل عسكري ضد إيران يجعل هذه المصالح أهدافاً مشروعة للرد، مما يهدد استثمارات بالمليارات، ويؤدي إلى خسارة أسواق حيوية للمنتجات الأوروبية.

كما أن أوروبا تُعد المستهلك الأكبر للبضائع القادمة عبر الممرات المائية في الشرق الأوسط، وإغلاق الأجواء يُقرأ كمحاولة لعدم استعداء طهران وضمان عدم توسع رقعة “حرب الممرات”، حيث إن استهداف السفن التجارية في المحيط الهندي أو البحر العربي نتيجة التصعيد العسكري سيؤدي إلى انقطاع السلع الأساسية عن الأسواق الأوروبية.

إضافةً إلى ذلك، الرفض الأوروبي بمثابة رسالة لوزارة الدفاع الأمريكية بأن أوروبا لم تعد “تابعاً تلقائياً” للسياسات الهجومية لترامب، فهناك رغبة متزايدة في بناء سيادة استراتيجية تجعل من أوروبا وسيطاً للسلام بدلاً من كونها قاعدة انطلاق لعمليات عسكرية قد تضر بمصالح القارة طويلة الأمد. ويأتي ذلك خصوصاً بعد شن ترامب انتقادات ساخرة لحلف “الناتو” واصفاً إياه بأنه “نمر من ورق”، وهو ما أثار حفيظة دول أوروبية مثل فرنسا.

كما تخشى الدول الأوروبية من الرد الإيراني “غير المتماثل”. فبعيداً عن الصواريخ، تمتلك طهران قدرات متطورة في الحرب السيبرانية وأذرعاً إقليمية قادرة على تنفيذ عمليات انتقامية داخل العمق الأوروبي أو ضد سفاراتها، وهو ثمن أمني ربما لا ترغب هذه الدول في دفعه لإرضاء واشنطن.

وترى دول مثل النمسا -التي تستضيف محادثات فيينا تاريخياً- أن العمل العسكري سيدمر أي فرصة مستقبلية للرقابة على برنامج إيران النووي. بالنسبة لهم، يبدو التفاوض الوسيلة الوحيدة لضمان عدم امتلاك طهران لسلاح نووي، بينما الضربات العسكرية قد تدفعها لتسريع التسلح كرد فعل دفاعي.

وتتجنب أوروبا الانجرار لـ”حرب استنزاف” طويلة، فتجارب العقود الماضية في العراق وأفغانستان علّمت الأوروبيين أن الحروب الأمريكية تبدأ بضربات جوية وتنتهي بسنوات من الاستنزاف الاقتصادي والعسكري. الرفض الأوروبي لفتح الأجواء هو “فيتو” عملي ضد الانجرار لدوامة صراع لا يُعرف متى أو كيف ينتهي، وتكون فيه أوروبا خاسراً كبيراً جغرافياً واقتصادياً.

زر الذهاب إلى الأعلى