الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

اليمن على حافة التعافي الهش.. صندوق النقد الدولي يفنّد الوضع الاقتصادي بعد اختتام مشاورات المادة الرابعة

الاقتصاد اليمني | بقش

أعلن صندوق النقد الدولي اختتام مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع حكومة عدن، بعد انقطاع دام أكثر من 11 عاماً، في خطوة حملت دلالات عميقة تتجاوز البعد الفني إلى إعادة بناء الثقة الدولية في الاقتصاد اليمني.

ويأتي هذا الإعلان، الذي صدر في 03 أبريل 2026 من واشنطن، في لحظة دقيقة يعيشها اليمن، حيث لا يزال البلد يواجه تداعيات حرب أدت إلى انهيار واسع في المؤشرات الاقتصادية، واضطراب عميق في صنع السياسات، وتراجع حاد في مستويات الدخل والمعيشة، ما جعل أكثر من نصف السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في ظل انتشار انعدام الأمن الغذائي، وتفشي الأمراض، وتزايد حالات النزوح، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة.

ورغم الصورة القاتمة، يشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني بدأ يُظهر بوادر خروج تدريجي من حالة الركود العميق التي دخلها عقب توقف الصادرات النفطية في عام 2022، وهو الحدث الذي شكّل ضربة قاسية للاقتصاد، نظراً لاعتماد البلاد الكبير على عائدات النفط والغاز كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي والإيرادات الحكومية. فقد تراجع انكماش الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 0.5% في عام 2025، مقارنةً بانكماش حاد بلغ قرابة 10% في عام 2023، في مؤشر على تباطؤ التدهور، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة التعافي الكامل، حسب اطلاع “بقش” على بيان الصندوق.

نتج هذا التحسن النسبي عن تضافر عدة عوامل، أبرزها الدعم الخارجي من الشركاء الإقليميين والدوليين، واستمرار تدفقات تحويلات العاملين في الخارج، إلى جانب جهود السلطات في تحقيق قدر من الاستقرار المالي، رغم الضغوط الهائلة الناتجة عن ارتفاع التضخم، وانخفاض سعر العملة، وتراجع مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين.

لكن هذا التحسن لا يخفي هشاشة الوضع، إذ يشير التقرير إلى أن الاحتياطيات الأجنبية لا تكاد تغطي سوى شهر واحد من الواردات، التي تشمل أساساً الغذاء والطاقة والأدوية، ما يعكس ضيق الهامش المالي والخارجي، ويحدّ من قدرة الدولة على الاستجابة للصدمات أو توسيع الإنفاق على الخدمات الأساسية.

الاقتصاد في مخاطر كبيرة.. وبداية جديدة في 2027

وفي هذا السياق، حذر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد اليمني لا يزال عرضة لمخاطر كبيرة، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية، حيث من المتوقع أن تؤثر الحرب في الشرق الأوسط سلباً على اليمن خلال العام الجاري، من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والوقود عالمياً، واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما قد ينعكس مباشرة على مستويات التضخم، ويزيد من الضغط على سعر الصرف، ويؤدي إلى مزيد من استنزاف الاحتياطيات.

وتشير التوقعات إلى أن الاقتصاد قد يشهد انكماشاً إضافياً بنسبة 0.7% خلال العام الحالي، في ظل ضعف الاستهلاك الخاص وارتفاع الأسعار، إلى جانب تفاقم العجز الخارجي نتيجة زيادة الواردات وضعف نمو الصادرات، وهو ما يعمّق الاختلالات الاقتصادية ويزيد من تعقيد المشهد.

لكن الأفق المتوسط يحمل بعض إشارات إيجابية، حيث يتوقع أن يبدأ الاقتصاد في استعادة زخمه تدريجياً ابتداءً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم، وتحسن مستويات الدخل الحقيقي، وتخفيف القيود المالية، إلى جانب توسع تحويلات المغتربين، ونمو الصادرات غير النفطية، خاصة في إطار ما يُعرف بـ”الخطة الزراعية” التي تتبناها السلطات لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.

كما يُتوقع أن يسهم تحسن الإيرادات الحكومية بمرور الوقت في تعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والواردات الأساسية، ما قد يخفف جزئياً من وطأة الأزمة الإنسانية المستمرة. وفي موازاة هذه التوقعات، شدد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على ضرورة تبني سياسات حذرة ومتوازنة، تركز على تعزيز الحوكمة، وتحسين إدارة المالية العامة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تدريجية، بما يضمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي دون الإضرار بالتماسك الاجتماعي.

كما طالب بترشيد دعم الكهرباء، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الاجتماعية والتنموية الأكثر إلحاحاً، إلى جانب ضرورة العمل مع الدائنين لإعادة هيكلة الديون بشكل شامل يضمن استدامتها على المدى الطويل.

الوضع المالي والمصرفي

في الجانب النقدي، أشار التقرير إلى تراجع معدلات التضخم نسبياً، لكنه دعا إلى الحفاظ على سياسة نقدية حذرة والحد من التمويل النقدي، وتعزيز استقلالية بنك عدن المركزي، مع التأكيد على أهمية نظام سعر الصرف القائم على السوق في تحسين تخصيص الموارد وتعزيز مصداقية السياسات الاقتصادية.

كما سلط الضوء على أهمية تطوير القطاع المالي، من خلال توسيع نطاق الرقابة ليشمل جميع المؤسسات المالية، وتعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يضمن الحفاظ على العلاقات مع البنوك الدولية. واعتبر الصندوق أن نقل البنوك الرئيسية من صنعاء إلى عدن تمثل فرصة لتعزيز الاستقرار المالي، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي، بما يدعم الثقة في النظام المالي.

من زاوية أوسع، قال الصندوق إن الإصلاحات الهيكلية، خاصة في مجالات الحوكمة والطاقة والبنية التحتية، تمثل شرطاً أساسياً لتحقيق نمو اقتصادي يقوده القطاع الخاص، مع التأكيد على ضرورة تقوية المؤسسات لمعالجة مواطن الفساد وضمان قبول المجتمع لهذه الإصلاحات.

وفي السياق ذاته، رحّبت حكومة عدن، وفق اطلاع بقش على ما نشرته وكالة سبأ بعدن، بنتائج مشاورات المادة الرابعة، معتبرةً إياها مؤشراً مهماً على استعادة التفاعل مع المؤسسات المالية الدولية، وتعزيز الثقة بجهودها في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية. وذكرت الحكومة أنها ملتزمة بمواصلة تنفيذ برنامج إصلاحات شامل يشمل الجوانب الاقتصادية والمالية والنقدية والإدارية، بالتوازي مع العمل مع الشركاء الدوليين، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026. وفي الوقت ذاته قالت حكومة عدن إن تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام يظل مرهوناً بإنهاء الحرب وتحقيق السلام الشامل، واستعادة مؤسسات الدولة.

أما بنك عدن المركزي فقال إنه مستمر في القيام بدوره في الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة في النظام المصرفي، واتباع سياسات نقدية منضبطة ومرنة تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومستوى الأسعار ضمن الممكن، دون التطرق إلى تفاقُم أزمة السيولة المحلية الخانقة.

وبين مؤشرات التعافي الهش من جهة، ومخاطر الانزلاق مجدداً تحت ضغط الأزمات الداخلية والخارجية من جهة أخرى، تبدو البلاد في سباق مع الزمن لإعادة بناء اقتصادها على أسس أكثر استدامة وعدالة، في حين أن الطريق نحو التعافي الكامل طويل ومشروط بتحقيق الاستقرار السياسي واستمرار الدعم الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى