انتقام مدروس في وقت حساس.. موسكو تلوّح بقطع إمدادات الغاز عن أوروبا مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

تقارير | بقش
في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برسالة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود السياسة إلى عمق معادلة الطاقة العالمية. فبينما تشتعل جبهة الشرق الأوسط وتتعطل ممرات الإمداد الحيوية، تلوّح موسكو بقطع إمدادات الغاز إلى أوروبا «فوراً»، في خطوة يراها مراقبون إعادة تموضع استراتيجية تهدف إلى تعظيم المكاسب الاقتصادية في لحظة اضطراب عالمي.
التصريحات الروسية لم تأتِ في فراغ. أوروبا التي أعادت رسم خريطة وارداتها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وقلّصت اعتمادها على الغاز الروسي تحت ضغط سياسي واقتصادي، تجد نفسها اليوم أمام بيئة أسعار أكثر هشاشة. فارتفاع النفط والغاز نتيجة اضطراب الإمدادات في الخليج، بالتوازي مع التهديد الروسي، يضع القارة العجوز في زاوية ضيقة من حيث أمن الطاقة وتكلفة البدائل.
اقتصادياً، تتقاطع ثلاثة متغيرات حاسمة: حرب تهدد شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز، عقوبات أوروبية متصاعدة على الغاز الروسي، وتحرك موسكو لاقتناص لحظة الندرة ورفع كلفة الانفصال الطاقوي على الأوروبيين. النتيجة الأولية: تصاعد علاوة المخاطر الجيوسياسية في تسعير الطاقة، وتزايد الضغوط على اقتصادات الاتحاد الأوروبي التي لم تستعد بعد كامل عافيتها الصناعية.
ورقة الغاز… تهديد مباشر في توقيت محسوب
وفق اطلاع بقش، أعلن بوتين أن بلاده قد توقف إمدادات الغاز إلى الأسواق الأوروبية دون انتظار دخول القيود الأوروبية الجديدة حيز التنفيذ. وكان الاتحاد الأوروبي قد وضع إطاراً زمنياً لتقييد واردات الغاز الروسي تدريجياً وصولاً إلى حظر شبه كامل بحلول عام 2027، ضمن استراتيجية تقليل الاعتماد على موسكو.
الرسالة الروسية واضحة: إذا كانت أوروبا ماضية في سياسة الفطام الطاقوي، فإن موسكو مستعدة لتسريع الطلاق بشروطها. وفي ظل انفتاح أسواق بديلة في آسيا، خصوصاً الصين والهند، ترى روسيا أن إعادة توجيه الإمدادات قد تكون «أكثر جدوى وربحية» مقارنة بسوق أوروبي يفرض قيوداً تنظيمية وسقوفاً سعرية.
بيانات وكالة الطاقة الدولية التي يتتبَّعها بقش تشير إلى أن حصة روسيا من واردات الغاز الأوروبية تراجعت بشكل كبير منذ 2022، غير أن بعض الدول في أوروبا الوسطى والشرقية لا تزال تعتمد على الإمدادات الروسية عبر خطوط الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال. هذه الجيوب الاعتمادية تمثل نقطة ضغط جيوسياسي واقتصادي في آن واحد.
وأكد بوتين أن بلاده ستواصل توريد الطاقة إلى «الشركاء الموثوقين»، في إشارة إلى دول مثل سلوفاكيا وهنغاريا التي اتخذت مواقف أقل تشدداً داخل الاتحاد الأوروبي تجاه العقوبات. هذا الطرح يعكس تحول الطاقة إلى أداة تمييز سياسي داخل السوق الأوروبية نفسها.
في الوقت ذاته، أعلنت موسكو تكليف الحكومة وشركات الطاقة بوضع خطط عملية لتحويل الإمدادات إلى «أسواق واعدة». عملياً، يعني ذلك تسريع مشاريع البنية التحتية نحو آسيا وتعزيز صادرات الغاز الطبيعي المسال، ما يخفف من أثر فقدان السوق الأوروبية على المدى المتوسط.
ومن ناحية اقتصادية، تستفيد روسيا من بيئة أسعار مرتفعة تدعم إيراداتها، حتى في حال تراجع الكميات المصدّرة. فارتفاع السعر يعوّض جزئياً انخفاض الحجم، وهي معادلة سبق أن استخدمتها موسكو خلال فترات سابقة من التوتر.
أوروبا والارتهان المزدوج: من موسكو إلى الأسواق الفورية
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، سعت أوروبا إلى تنويع مصادرها عبر زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر والنرويج. غير أن هذا التحول جعلها أكثر تعرضاً لتقلبات السوق الفورية العالمية، حيث تُحدد الأسعار وفق العرض والطلب العالميين لا وفق عقود طويلة الأجل مستقرة.
اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما ترتب عليها من ارتفاع أسعار النفط والغاز أعاد تسعير المخاطر في السوق. فتعطل أي جزء من الإمدادات الخليجية يضغط على سوق الغاز المسال أيضاً، نظراً للترابط بين أسواق الطاقة. بذلك، تجد أوروبا نفسها تدفع فاتورة مزدوجة: فقدان الإمدادات الروسية الرخيصة نسبياً، وشراء بدائل بأسعار أعلى وأكثر تقلباً.
تقارير صادرة عن المفوضية الأوروبية كانت قد حذّرت سابقاً من أن أمن الطاقة في المرحلة الانتقالية سيبقى عرضة للصدمات الخارجية. التطورات الحالية تؤكد أن الاستقلال الطاقوي عملية طويلة ومكلفة، وليست قراراً سياسياً يُنفذ بين ليلة وضحاها.
حادثة المتوسط ورسائل القوة
في تطور لافت، أعلنت روسيا تعرض ناقلة الغاز الطبيعي المسال «أركتيك ميتاغاز» لهجوم بزوارق مسيّرة قرب مالطا أثناء نقلها وقوداً روسياً، في حادثة ربطتها موسكو بأوكرانيا. ورغم أن الأضرار المادية لم تُعلن بالتفصيل حسب تتبع بقش، إلا أن الرسالة السياسية مفادها أن طرق الإمداد البديلة ليست بمنأى عن المخاطر.
هذا النوع من الحوادث يعزز علاوة المخاطر في التأمين والنقل البحري، ما ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية للغاز. وكلما اتسعت رقعة التوتر الجيوسياسي، زادت قدرة الموردين الكبار – وفي مقدمتهم روسيا – على توظيف عامل الندرة لصالحهم.
في المحصلة، يرى خبراء أن التلويح الروسي بوقف الإمدادات ليس مجرد رد فعل سياسي، بل خطوة محسوبة لاستغلال ظرف دولي استثنائي. فالحرب في الشرق الأوسط رفعت الأسعار، والعقوبات الأوروبية قلّصت الثقة، وموسكو تتحرك لفرض واقع تسعيري جديد يعيد رسم خريطة الطاقة في القارة.


