
الاقتصاد العالمي | بقش
مؤخراً شهدت أسعار الذهب العالمية ارتفاعات غير مسبوقة، في انعكاسٍ للتوترات الاقتصادية والسياسية العالمية على المستثمرين والأسواق المالية، فعند صعود ترامب إلى الرئاسة الثانية في 20 يناير 2025 سجّل الذهب نحو 2,696 دولاراً للأونصة، ليقفز بعد عام واحد إلى 4,737 دولاراً، مسجلاً زيادة تقارب 75.7%، وهو ما اعتبره محللون “عاماً ذهبياً بامتياز”.
واستمر الزخم التصاعدي ليصل المعدن النفيس إلى مستوى قياسي فوق 5,500 دولار للأونصة في 29 يناير 2026، رغم ارتداده مؤقتاً في جلسة نهاية الأسبوع الماضية، بفعل تراجع مؤقت للدولار وتقلبات الأسواق، ووفق اطلاع بقش على أحدث التقارير فإن هذا الصعود يُعزى إلى مجموعة من العوامل الرئيسية، أبرزها السياسات الاقتصادية العدوانية لإدارة ترامب، والتوترات الجيوسياسية، وضعف الدولار، وارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة.
أثر السياسات الاقتصادية على الذهب
اتخذت إدارة ترامب منذ بداية ولايته الثانية إجراءات اقتصادية حازمة تحت شعار “أمريكا أولاً”، تضمنت فرض تعريفات جمركية واسعة على واردات من نحو 180 دولة، تراوحت بين 10% و50% على سلع حيوية مثل السيارات، الصلب، الألومنيوم، أشباه الموصلات، والأدوية.
هذه الخطوة، التي وصفت بـ”أوسع حزمة رسوم منذ عقود”، أدت إلى تراجع أسواق الأسهم العالمية في جميع القارات، بينما ارتفع الذهب بسرعة، مستفيداً من تدفق رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة.
في الوقت نفسه، هاجم ترامب رئيس الاحتياطي الفيدرالي “جيروم باول” لسياسته المتحفظة تجاه الفائدة، ويسعى الآن إلى تعيين “كيفن وارش” خلفاً لباول، ما يشير إلى مرحلة محتملة من خفض أسعار الفائدة بشكل سريع لتعزيز الاقتصاد، وهو عامل يعزز عادة أسعار الذهب عبر تراجع قيمة الدولار.
وخلال العام الماضي، تراجع الدولار بنسبة 10% وفق بيانات تتبَّعها بقش، متأثراً بالسياسات المفاجئة للإدارة الأمريكية، بما فيها فرض الرسوم على الحلفاء الأوروبيين وتهديدات بشأن السيطرة على جزيرة غرينلاند، وهو ما زاد من جذب المستثمرين نحو الذهب.
ويرى محللون أن العلاقة العكسية بين الدولار والذهب ستستمر في ظل استمرار ضعف العملة الأمريكية، فضلاً عن المخاطر الجيوسياسية المستمرة.
كما ساهمت حرب الرسوم الجمركية والسياسات الخارجية المتصادمة في تقويض النظام الاقتصادي العالمي التقليدي، مما دفع البنوك المركزية لزيادة احتياطياتها من الذهب كتحوط استراتيجي ضد تقلبات العملات والأزمات المالية، مع استمرار بعض الدول في تعزيز مشترياتها دون الإعلان عن الحجم الكامل.
آفاق الأسعار: 6,000 دولار
بلغ الطلب العالمي على الذهب مستوى قياسياً وصل إلى 5,002 طن في 2025، أي بزيادة 1% عن العام السابق، وهو أعلى مستوى مسجل تاريخياً، حسب مجلس الذهب العالمي.
ويشير خبراء إلى أن الطلب سيستمر مدفوعاً برغبة البنوك المركزية في تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار، إلى جانب استخدام الذهب كأداة تحوط رئيسية للمستثمرين في ظل بيئة عالمية متقلبة.
وباطلاع بقش، يتوقع دويتشه بنك الألماني وصول أسعار الذهب إلى 6,000 دولار للأوقية في 2026، مع احتمال أن تصل إلى 6,900 دولار في سيناريوهات صعودية مدفوعة بالسياسات الأمريكية المتقلبة، استمرار ضعف الدولار، واستمرار التوترات الجيوسياسية.
ورغم التفاؤل بصعود الذهب، يحذر الخبراء من احتمالية حدوث موجات تصحيحية نتيجة جني الأرباح أو تغييرات مفاجئة في المشهد السياسي والاقتصادي العالمي، فالذهب حساس بشكل خاص لحالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، وقد يبقى ضمن نطاقات سعرية محددة ما دامت الظروف الراهنة دون تحولات جوهرية.
ويمكن القول إن الذهب سيستمر في لعب دور محوري كملاذ آمن وأداة تنويع للمحافظ الاستثمارية، مع توقعات بمواصلة الاتجاه الصعودي خلال الأعوام المقبلة، خصوصاً وسط السياسات الأمريكية المتقلبة، وضعف الدولار، وارتفاع حيازة البنوك المركزية للمعدن النفيس.
ومع ذلك، تشير التحليلات إلى ضرورة مراقبة المستثمرين التطورات العالمية لحين ظهور عوامل قد تؤدي إلى تصحيحات سعرية قصيرة الأجل، دون أن تقلل من الزخم طويل الأمد للذهب.


