
الاقتصاد العالمي | بقش
في أسواق الطاقة العالمية ثمة حالة توتر غير مسبوقة مع تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2022، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتعطل أحد أهم الممرات النفطية في العالم، وجاء الارتفاع الحاد وسط مخاوف متزايدة من اضطراب طويل الأمد في الإمدادات العالمية، الأمر الذي دفع الحكومات الكبرى إلى بحث إجراءات طارئة لاحتواء الأزمة.
أسعار النفط ارتفعت بعد افتتاح الإثنين إلى مستويات تجاوزت 119 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع لاحقاً عند التسوية حسب تتبُّع “بقش”، فقد ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 4.26% ليغلق عند 94.77 دولاراً للبرميل، بعد أن سجل خلال التداولات أعلى مستوى له عند 119 دولاراً.
كما ارتفع خام برنت (المعيار العالمي) بنسبة 6.89% ليصل عند التسوية إلى 99.08 دولاراً للبرميل، بعدما تجاوز خلال الجلسة مستوى 119.50 دولاراً. ويُعد هذا الارتفاع أول اختراق لمستوى 100 دولار منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، وجاءت هذه القفزة مدفوعة بتعطل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بعد التهديدات الإيرانية وإغلاق الممر الملاحي، وهو ما أجبر بعض دول الخليج على خفض إنتاجها النفطي.
يرى محللون أن الأسواق تعيش حالة قلق متزايدة نتيجة عدم وضوح أفق الصراع في الشرق الأوسط، وقال توني سيكامور، محلل الأسواق لدى شركة “آي جي”، إن رد الفعل العنيف في الأسواق يعكس إدراك المستثمرين أن التصعيد العسكري الجاري أصبح مواجهة عالية المخاطر، في ظل غياب أي مؤشرات على قرب التهدئة، وأضاف في تصريحات صحفية أن المخاطر الاقتصادية الناتجة عن استمرار الأزمة تتزايد يوماً بعد يوم، خاصة إذا استمر تعطل إمدادات الطاقة أو توسعت الحرب.
كما أشار محللو بنك “آي إن جي” إلى أن الوضع في أسواق الطاقة يتدهور بشكل متسارع، مع بدء إغلاق بعض عمليات الإنتاج في المنبع نتيجة القيود على التخزين واضطراب سلاسل الإمداد.
وتزامن ارتفاع الأسعار مع خفض إنتاج النفط في عدد من الدول الخليجية، بينها العراق والكويت والإمارات، نتيجة استمرار إغلاق مضيق هرمز وتزايد المخاطر الأمنية في المنطقة، ويزيد هذا التطور من الضغوط على السوق العالمية التي تعاني أصلاً من توترات في الإمدادات، ما يعزز المخاوف من دخول الأسواق في دورة ارتفاعات حادة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا استمر تعطل حركة الملاحة في الخليج.
ووفق اطلاع بقش على ما نشرته بلومبيرغ، تمتلك السعودية احتياطياً من النفط يكفي لـ36 يوماً، ويرتفع ليصل إلى 65 يوماً عند إعادة توجيه الصادرات عبر موانئ البحر الأحمر، تليها قطر بقدرة تخزينية تصل إلى 20 يوماً، ثم الإمارات بـ16 يوماً (تزداد إلى 19 يوماً عند التوجيه)، بينما تبلغ قدرة الكويت 14 يوماً، ويأتي العراق في المرتبة الأخيرة بـ6 أيام فقط.
مجموعة السبع تلجأ لخيارات الطوارئ
في مواجهة هذه التطورات، عقد وزراء مالية مجموعة السبع اجتماعاً طارئاً لبحث سبل التعامل مع الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط. وأكد الوزراء أنهم مستعدون لاتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم الإمدادات العالمية من الطاقة، بما في ذلك الإفراج عن النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية.
لكن مسؤولاً في المجموعة أوضح أن الوزراء اتفقوا في الوقت الحالي على عدم ضخ النفط من الاحتياطيات، مشيراً إلى أن القرار يحتاج إلى مزيد من التحليل قبل اتخاذ خطوة من هذا النوع، ومن المقرر أن يناقش وزراء الطاقة في المجموعة الملف ذاته خلال اجتماع جديد، قبل أن يُحسم القرار النهائي على مستوى قادة الدول السبع.
في المقابل، حاول الاتحاد الأوروبي طمأنة الأسواق بشأن أمن الإمدادات. فقد أكدت المفوضية الأوروبية أن الدول الأعضاء تمتلك مخزونات كافية من النفط والغاز، تكفي لمدة تصل إلى 90 يوماً، مشيرة إلى أن القلق الأكبر في الوقت الحالي يتعلق بارتفاع الأسعار وليس بنقص الإمدادات، ومع ذلك فإن استمرار الحرب وتعطل طرق التجارة النفطية قد يضع هذه المخزونات تحت ضغط متزايد إذا طال أمد الأزمة.
في المجمل، دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبح مسار الحرب في الشرق الأوسط عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار، فاستمرار إغلاق مضيق هرمز أو توسع الحرب قد يؤدي إلى اضطرابات أكبر في الإمدادات، ما يهدد بحدوث صدمة طاقة جديدة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، من أسعار الوقود إلى الغذاء والسلع الأساسية.


