بعد ضربة المحكمة الأمريكية لترامب.. دول العالم تراجع صفقاتها التجارية مع أمريكا

الاقتصاد العالمي | بقش
كان قرار المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء رسوم ترامب الجمركية لحظة فاصلة أربكت منظومة كاملة من التفاهمات التجارية التي بُنيت خلال العام الماضي على قاعدة “الاستثمار مقابل الإعفاء”.
فمع تقييد صلاحيات ترامب في استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية (IEEPA) لفرض رسوم واسعة النطاق، اهتزّت الأداة التي اعتمد عليها البيت الأبيض لانتزاع تعهدات استثمارية بمئات المليارات من الدولارات.
لكن البيت الأبيض لم ينتظر طويلاً، إذ فعّل المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، فارضاً رسوماً مؤقتة لا تتجاوز 15% ولمدة 150 يوماً، مع الإبقاء على أوراق أخرى مثل المادتين 232 (الأمن القومي) و301 (الممارسات غير العادلة)، ما يعني أن الحرب التجارية لم تنتهِ، لكنها انتقلت من “الضربة الخاطفة” إلى مسار أكثر بطئاً وخضوعاً للمراجعة.
إعادة تقييم الصفقات المليارية
تشير أحدث قراءات “بقش” إلى أن اليابان، التي تعهدت بضخ 550 مليار دولار مقابل خفض الرسوم على صادراتها، تلتزم الآن بحذر محسوب، إذ لا ترغب الحكومة في إعادة فتح الاتفاق، لكن الضبابية القانونية تضع الاستثمارات المقبلة تحت مجهر سياسي داخلي.
الوضع مشابه في كوريا الجنوبية، حيث ربطت سيول استثمارات بنحو 350 مليار دولار بسقف رسوم 15%، ومنح الحكم الأمريكي كوريا هامشاً تفاوضياً جديداً، إذ باتت التهديدات برفع الرسوم أقل صلابة من الناحية القانونية، ما يخفف ضغط الإقرار البرلماني السريع.
وبدورها قامت الهند بتأجيل إرسال وفدها التجاري إلى واشنطن، بعد أن كانت نيودلهي بصدد تثبيت اتفاق يخفض الرسوم إلى 18% مقابل مشتريات أمريكية بقيمة 500 مليار دولار حسب متابعات بقش، ويعكس التأجيل رغبة في قراءة المشهد القانوني قبل الالتزام النهائي.
وفي المقابل، تبدي إندونيسيا مرونة علنية واستعداداً للتكيف، بينما تلوّح ماليزيا بعدم استعجال المصادقة، مؤكدة أولوية “تنويع الشركاء”. وثمة دول أصغر مثل “كمبوديا” تجد نفسها بين خيارين، إما الالتزام باتفاقات غير مكتملة برلمانياً أو انتظار توازن جديد في العلاقة مع واشنطن.
وفي بروكسل، ارتفع صوت داخل البرلمان الأوروبي يدعو إلى تعليق المسار التشريعي لاتفاق كان يُفترض أن يُصوَّت عليه قريباً، والفكرة الأساسية: إذا كان الأساس القانوني للرسوم الأمريكية محل نزاع داخلي، فهل من الحكمة تثبيت اتفاق طويل الأمد قبل اتضاح الصورة؟
ويبدو أن التحفظ الأوروبي لا يعني القطيعة، لكنه يعكس توجهاً لربط الالتزامات التجارية بضمانات قانونية أكثر صلابة.
الذي تغيّر فعلياً هو أنّ الردع الأمريكي الفوري تآكل، إذ لم يعد بإمكان البيت الأبيض فرض رسوم شاملة بضغطة زر، كما تعاظم دور الكونغرس، فأي تمديد للرسوم المؤقتة يحتاج غطاءً تشريعياً. بنفس الوقت تعززت أوراق الشركاء التجاريين العالميين لأمريكا، فالتأجيل وإعادة التقييم وإعادة التفاوض أصبحت خيارات واقعية.
ولا تبدو صفقات التريليونات في طريقها إلى الانهيار، لكنها دخلت مرحلة مراجعة هادئة، فكثير منها لم يُصادق عليه بعد، وبعضها صيغ في سياق ضغط قانوني لم يعد قائماً بالشكل ذاته، ما يفتح الباب أمام إعادة ضبط الشروط، أو على الأقل إعادة جدولتها.


