بلومبيرغ: البنتاغون استخدمت المئات من صواريخ توماهوك عالية الكُلفة وتواجه أزمة تسليح غير مسبوقة

تقارير | بقش
تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي أطلقت عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب اسم “الغضب الملحمي”، أسبوعها الخامس، مخلفةً وراءها تساؤلات استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد العمليات التكتيكية لتطال صلب الجاهزية العسكرية لواشنطن.
ففي غضون أقل من شهر، أطلق الجيش الأمريكي أكثر من 850 صاروخ كروز من طراز “توماهوك” (Tomahawk) لضرب أهداف استراتيجية وتحييد الدفاعات الجوية الإيرانية. هذا الاستهلاك المفرط للأسلحة الدقيقة والبعيدة المدى دق ناقوس الخطر في أروقة البنتاغون، حيث تشير تقارير وتحليلات عسكرية اطلع عليها “بقش” إلى أن واشنطن تستهلك ذخائرها الاستراتيجية بوتيرة تتجاوز بكثير قدرة قاعدتها الصناعية على التعويض الفوري.
تعقيدات هذه الحملة العسكرية لا تقف عند حدود الشرق الأوسط، بل تمتد لتلقي بظلالها الكثيفة على النفوذ الأمريكي في المحيطين الهندي والهادئ. فبناءً على تقييمات موثقة من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن هذا الاعتماد الكثيف على صواريخ “توماهوك” يفرض على المخططين العسكريين الأمريكيين مناقشة سحب جزء من احتياطياتهم المخصصة لردع قوى كبرى أخرى.
هذه الصواريخ، التي يمكنها ضرب أهداف على بُعد يزيد عن 1000 ميل بالاعتماد على نظام تحديد المواقع (GPS) وتجنيب الطيارين الأمريكيين مخاطر التحليق فوق مناطق شديدة التحصين، تُعد العمود الفقري للقوة الضاربة البحرية الأمريكية منذ أول استخدام لها في حرب الخليج عام 1991.
وفي حين تحاول الإدارة الأمريكية تصوير العمليات على أنها استعراض حاسم للقوة بالشراكة مع القوات الإسرائيلية، تصطدم هذه السردية بواقع اقتصادي وسياسي شديد التعقيد. فقد اضطرت إدارة ترامب لطلب تمويل إضافي يتجاوز 200 مليار دولار من الكونغرس لدعم المجهود الحربي في إيران، وهو رقم أشعل انقسامات حادة، لا سيما بين صفوف المشرعين الجمهوريين المعارضين لتوسيع رقعة الحرب، حسب قراءة بقش تقريراً لبلومبيرغ.
يأتي ذلك في وقت يدرس فيه البيت الأبيض خيارات التصعيد البري، بالتزامن مع ممارسة ضغوط هائلة على مقاولي الدفاع لرفع وتيرة الإنتاج في سباق محموم لمنع الترسانة الأمريكية من الوصول إلى مستويات الخطر.
أزمة المخزون الاستراتيجي ومعضلة الإنتاج
تشير البيانات الصادرة عن مؤسسات بحثية عريقة، مثل معهد “أمريكان إنتربرايز” (AEI)، إلى أن البحرية الأمريكية كانت تمتلك قبيل اندلاع الحرب ما بين 4000 إلى 4500 صاروخ “توماهوك”، في حين ترجح تحليلات عسكرية نشرتها بلومبيرغ أن العدد الفعلي الجاهز للاستخدام الفوري قد يكون قريباً من 3000 صاروخ فقط، خاصة بعد استنزاف جزء منه في ضربات سابقة في اليمن ومناطق أخرى العام الماضي.
ومع إطلاق أكثر من 850 صاروخاً في الأسابيع الأربعة الأولى، يقترب مخزون القيادة المركزية من حالة “وينشستر” (Winchester)، وهو المصطلح العسكري الذي يطلقه البنتاغون للتحذير من النفاد الوشيك للذخيرة.
المشكلة الجوهرية تكمن في القدرة الصناعية على التعويض السريع. تصنيع صاروخ “توماهوك” الواحد، وتحديداً من النسخ الحديثة التي تتيح إعادة التوجيه أثناء التحليق وتصوير الأضرار، يستغرق قرابة العامين ويكلف الخزينة الأمريكية حوالي 3.6 ملايين دولار.
ورغم تكليف شركة “رايثيون” (Raytheon) بمهام التصنيع، إلا أن سلاسل التوريد المعقدة للمكونات الإلكترونية الدقيقة تحد من قدرة المصانع على إنتاج أكثر من بضع مئات من الصواريخ سنوياً. وقد تجلى هذا القصور في ميزانية الدفاع للعام الماضي، التي لم تُدرج سوى طلب تمويل 57 صاروخاً فقط، وهو رقم شبه معدوم مقارنة بمعدل الاستهلاك الحالي.
حتى مع هذه المعطيات المقلقة، تسعى وزارة الدفاع الأمريكية للحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية إعلامياً. فقد انتقد المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، التقارير الصحفية (مثل تقارير واشنطن بوست) واصفاً إياها بـ”المتحيزة”، ومؤكداً أن التركيز على أرقام الذخائر يهدف لبث الشكوك، وأن الجيش يمتلك القدرة لتنفيذ مهام القائد الأعلى.
ويتماشى هذا مع تصريحات تابعها بقش لوزير الدفاع بيت هيجسيث وقائد القيادة المركزية الأدميرال تشارلز كوبر، اللذين أوضحا أن التدمير المبكر للدفاعات الجوية الإيرانية في الأيام الأولى سمح للطيارين الأمريكيين بالتوغل لاحقاً في الأجواء الإيرانية واستخدام ذخائر هجومية أخرى متوفرة بكثرة، مما خفف الضغط جزئياً عن مخزون الـ”توماهوك”.
تداعيات التكلفة الباهظة على النفوذ الأمريكي
التكلفة المادية والاستراتيجية لهذه الحرب لا تقتصر على الجانب الهجومي فحسب، بل امتدت بقوة لتشمل فاتورة الدفاع الجوي. فقد كشفت التقارير أن الجيش الأمريكي أطلق أكثر من 1000 صاروخ اعتراضي باهظ الثمن من منظومات “باتريوت” (Patriot) و”ثاد” (THAAD) المتقدمة للتصدي للردود الصاروخية الإيرانية في المنطقة.
هذا الاستهلاك المزدوج للذخائر الهجومية والدفاعية خلق حالة من الاستنزاف المالي المباشر، وهو ما يفسر طلب البنتاغون العاجل لمبلغ 200 مليار دولار إضافية، مما وضع الإدارة أمام تحدٍ تشريعي في تمرير الميزانية وسط معارضة متنامية لكلفة هذه الحرب.
وفي محاولة شخصية لتدارك أزمة الإمداد، نقل الرئيس ترامب المعركة إلى أروقة البيت الأبيض عبر استدعاء الرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات الصناعات العسكرية، وفي مقدمتهم مسؤولو “رايثيون”، في اجتماعات طارئة. وعقب اللقاء، أعلن ترامب عبر حساباته أن الشركات وافقت على “مضاعفة إنتاج الأسلحة من الفئة الرابعة 4 مرات”. غير أن خبراء الصناعة الدفاعية يدركون تماماً أن الانتقال من الوعود السياسية إلى خطوط الإنتاج الفعلية يتطلب وقتاً طويلاً، نظراً لاختناقات سلاسل التوريد والمواد الخام التي تحتاجها هذه الترسانة المتطورة.
على الصعيد اللوجستي البحري، أفرزت الحرب تحديات عملياتية حرجة للبحرية الأمريكية حسب قراءة بقش. فمع استهلاك المدمرات –التي تحمل كل منها عشرات الصواريخ البالغ طولها 20 قدماً ووزنها 3500 رطل– لمخزونها الهجومي، واستهلاكها العالي للوقود أثناء المناورات، برزت الحاجة الملحة لإعادة التلقيم المستمر.
وعادة ما تتطلب عملية إعادة تذخير السفن بهذه الصواريخ الضخمة العودة إلى الموانئ الآمنة، إلا أن ضغط المعارك المستمرة أجبر واشنطن على تسريع تطوير قدراتها المحفوفة بالمخاطر لإعادة التلقيم والتزود بالوقود في عرض البحر، لضمان استمرار الضغط العسكري دون توقف.
في النهاية، تكشف الحرب على إيران عن مفارقة استراتيجية شديدة الوضوح؛ فمن جهة، أثبتت الآلة العسكرية الأمريكية قدرتها التدميرية الهائلة وفاعليتها في تحييد دفاعات خصومها بشكل سريع، ولكن من جهة أخرى، عَرّت هذه العملية عن هشاشة كامنة في مرونة القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.
الاعتماد المفرط على الذخائر الدقيقة والمكلفة مثل “توماهوك” يضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما مواصلة الاستنزاف والمخاطرة بانكشاف ظهرها أمام منافسين دوليين آخرين، أو تقليص الاعتماد على الأسلحة الموجهة عن بُعد والمخاطرة بزيادة الخسائر البشرية.
الأسابيع القادمة لن تحدد فقط المسار الميداني للحرب في إيران، بل ستشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة حروب كبرى في ظل تحديات التصنيع والميزانية. إن أي نقص مستمر في صواريخ الردع الاستراتيجي قد يُجبر الإدارة الأمريكية على إعادة تقييم التزاماتها الدفاعية العالمية، ويدفع الكونغرس إلى إعادة هيكلة جذرية لميزانيات التسلح لضمان عدم تكرار “معضلة وينشستر” في صراعات المستقبل.


