الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

“بيتكوين” عند مفترق طرق: تريليون دولار تتبخر ومستقبل العملة المشفرة على المحك

الاقتصاد العالمي | بقش

لم تكن المشكلة هذه المرة مجرد هبوط حاد في السعر، فمع تراجع عملة “بيتكوين” بأكثر من 40% عن ذروتها الأخيرة خلال 2025، بدا أن شيئاً أعمق يتصدع في أساس السردية التي قامت عليها أكبر عملة مشفرة في العالم، فالمشترون الذين اعتادوا اقتناص الانخفاضات اختفوا، والتدفقات التي كانت تدفع السوق إلى التعافي تحولت إلى نزيف، فيما تبخرت أكثر من “تريليون دولار” من قيمتها السوقية.

المفارقة أن هذه الأزمة لا تأتي نتيجة حصار تنظيمي أو عداء رسمي. على العكس، لم تكن واشنطن يوماً أكثر انفتاحاً على الأصول الرقمية، ولم يكن تبني المؤسسات لها بهذا العمق من قبل، كما أن “وول ستريت” احتضنتها عبر منتجات استثمارية منظمة، ومع ذلك لم يكن هذا الدعم كافياً لوقف الانحدار.

واستناداً إلى تقرير لـ”بلومبيرغ” اطلع عليه “بقش”، لم تُجبر “بيتكوين” خلال موجات الصعود السابقة على تبرير وجودها، إذ كان يكفي أن ترتفع. أما الآن، فمع انكسار المسار الصاعد، يبرز سؤال لم يكن مطروحاً بإلحاح من قبل: إذا لم تكن أفضل وسيلة للتحوط، ولا الأداة المثلى للمدفوعات، ولا الساحة الأكثر إثارة للمضاربة، فما الغرض الذي تؤديه تحديداً؟

أوين لامونت، مدير المحافظ في Acadian Asset Management، لخّص الأمر بقوله إن القصة الرئيسية لبيتكوين كانت دائماً أن “الرقم يرتفع”، لكن حين ينخفض الرقم، لا تبقى القصة جذابة.

وعلى خلاف الأسهم أو السلع، لا تستند قيمة “بيتكوين” إلى تدفقات نقدية أو أرباح أو طلب صناعي، إنما تقوم إلى حد كبير على الإيمان بها، وعلى قوة الرواية التي تجذب مشاركين جدداً، ومع تراجع الحماسة تتآكل هذه القوة.

منافسون يسحبون البساط

وفق قراءة بقش، جزء من المشكلة أن البدائل باتت أكثر وضوحاً وإقناعاً، فالذهب الذي كثيراً ما وُصف بأنه النظير التقليدي، تفوّق في اختباره الأخير كملاذ آمن، ففي ظل توترات جيوسياسية وضعف الدولار، جذبت صناديق الذهب المتداولة في الولايات المتحدة أكثر من 16 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر، بينما سجلت صناديق “بيتكوين” الفورية تدفقات خارجة بنحو 3.3 مليار دولار.

توم إيساي، مؤسس “سفن ريبورت” والمتداول السابق لدى Merrill Lynch، يرى أن الأسواق بدأت تتعامل مع بيتكوين كأصل مضاربي بحت، لا كذهب رقمي ولا كتحوط من التضخم أو الفوضى.

وفي ميدان المدفوعات، برزت العملات المستقرة كخيار عملي أكثر. وحسب بلومبيرغ، فإن إعلان جاك دورسي أن تطبيق “كاش آب” سيدعم العملات المستقرة شكّل إشارة رمزية على أن سباق الاستخدام اليومي انتقل إلى مرحلة جديدة، كما أن إقرار “قانون جينيوس” في واشنطن، بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، عزز البنية التنظيمية للرموز المدعومة بالدولار، ما زاد جاذبيتها.

ويشير كارلوس دومينغو، الرئيس التنفيذي لمنصة Securitize، إلى أن نشاط العملات المستقرة يرتبط بسلاسل مثل إيثيريوم وغيرها، وأنها باتت الأداة الطبيعية للمدفوعات، بينما لا يُنظر إلى بتكوين اليوم كآلية دفع فعالة.

المضاربة تنتقل إلى ساحات جديدة

اللافت أن أزمة الهوية تزامنت مع ذروة الاعتراف المؤسسي، فخلال صعود بيتكوين في 2025 اندفعت المؤسسات لبناء بنية تحتية استثمارية حول بيتكوين، من عقود خيارات يومية إلى منتجات تحوط من التقلبات، وتحولت من رمز تحرر تقني إلى بند ضمن قائمة أصول في حساب وساطة تقليدي.

حتى نموذج “خزائن الأصول الرقمية” الذي تبنته شركات مثل Strategy Inc بدا واعداً في البداية وفق تتبُّع بقش، فقد جمعت هذه الشركات كميات ضخمة من بيتكوين وأصدرت أسهماً مقابلها، ما خلق حلقة دعم ذاتية رفعت قيمتها السوقية، لكن مع انعكاس الاتجاه تراجعت أسهم هذه الشركات بأكثر من تراجع الأصل نفسه، وأصبح بعضها يتداول دون قيمة حيازاته.

ولم تختفِ شهية المخاطرة، لكنها وجدت منصات أخرى، فهناك أسواق التنبؤ مثل “بوليماركت” و”كالشي” جذبت المتداولين الباحثين عن رهانات ثنائية سريعة مرتبطة بأحداث واقعية، حتى “كوين بيس غلوبال” أضافت عقود تنبؤ إلى منصتها.

وترى “روكسانا إسلام” من “تي إم إكس فيتا فاي” أن هذه المنصات أصبحت الهوس الجديد للمستثمرين الأفراد الذين كانوا سابقاً يركبون موجات عملات الميم، ما قد يعني تراجع الاهتمام الإجمالي بالعملات المشفرة أو تحوله نحو مستثمرين أطول نفساً.

فجوة بين سهولة الشراء وخطورة التداول

رغم أن صناديق المؤشرات المتداولة الفورية جعلت شراء بيتكوين سهلاً، فإن السعر لا يزال يتحدد بدرجة كبيرة في أسواق المشتقات ذات الرافعة المالية العالية، حيث تصل الرافعة أحياناً إلى 100 ضعف، وعند تجاوز حدود الهامش تُغلق المراكز قسرياً، ما يطلق موجات تصفية متتالية.

وفي انهيار شهر أكتوبر 2025، تمت تصفية مليارات الدولارات خلال دقائق، بينما كان معظم حاملي الصناديق يتفقدون محافظهم بعد فوات الأوان، وتكشف هذه الآلية هشاشة كامنة في هيكل التداول، حتى مع تحسن قنوات الوصول.

ويدافع أنصار بيتكوين عن ندرتها المبرمجة، وسقفها البالغ 21 مليون عملة، ودورات الانقسام التي تقلص المعروض، لكن في عالم تتكاثر فيه المنتجات الرقمية، تصبح ندرة الاهتمام أكثر أهمية من ندرة العرض حسب قراءة بقش. هناك عملات بديلة، ومشتقات، وأسهم مُرمّزة، ومنتجات مهيكلة تتنافس جميعاً على رأس المال نفسه.

بل إن صعود الحوسبة الكمّية أثار نقاشات حول مستقبل أنظمة التشفير، وهو تهديد بعيد زمنياً، لكنه يكفي لإثارة الشك في أصل يعتمد إلى حد كبير على الثقة بالسردية التقنية.

بين المرونة والانجراف

مع ذلك، لا يمكن إعلان نهاية بيتكوين، فهي لا تزال الأكثر سيولة بين الأصول الرقمية، والأوسع تغطية في منصات التداول وفقاً للتقارير التي يتابعها بقش، وصناديقها المتداولة جعلتها جزءاً دائماً من المحافظ الاستثمارية، كما أنها نجت من أزمات سابقة، من انهيار Mt. Gox إلى حظر التعدين في الصين وهبوط 2022، لتعود وتسجل قمماً جديدة.

لكن الخطر الأكبر ربما لا يكمن في منافس مباشر، بل في الانجراف البطيء، حيث يتراجع الاهتمام، وتنحسر التدفقات، وتتآكل القناعة حين لا تبقى رواية واحدة قادرة على حمل السوق، وقد يستمر الأصل، وقد تعمل الشبكة، لكن الأهمية ليست مضمونة.

خلال ذلك، يُطرح السؤال الجوهري المتمثل في ما إذا كانت هذه لحظة تصحيح عابرة أم بداية تحول دائم في مكانة بيتكوين ضمن النظام المالي الرقمي، ولن تحدد الإجابة فقط مسار سعر، وستحدد أيضاً معنى وجود أصل قام منذ البداية على الإيمان به.

زر الذهاب إلى الأعلى