
تقارير | بقش
لم تكن سحب الدخان الكثيفة التي تصاعدت من ميناء جبل علي في دبي خلال شهر مارس 2026 مجرد نتيجة عرضية لصاروخ إيراني طائش، إذ كانت إعلاناً صريحاً بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد تجاوزت البعد العسكري لتتحول إلى زلزال اقتصادي عالمي.
هذه الحرب التي تتخذ من المنشآت الحيوية والممرات المائية بنكاً لأهدافها، وضعت الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية، لا سيما مع التهديدات المتبادلة بإغلاق مضيق هرمز الذي يمثل الشريان الحيوي لمرور خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، مما أطلق موجات تضخمية عاتية وعطل سلاسل الإمداد الدولية في وقت لم يتعافَ فيه العالم بعد من أزماته المتلاحقة.
في خضم هذا التصعيد، جاءت مهلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران حتى السابع من أبريل لإعادة فتح المضيق أو مواجهة تدمير شامل لمحطاتها الكهربائية، لتصب الزيت على النار. لكن القراءة المتأنية للكواليس الدبلوماسية تكشف واقعاً مغايراً للصورة النمطية؛ فدول الخليج العربي، التي طالما صُورت على أنها الضحية أو المتفرج القلق في مرمى النيران، لم تكن بتلك البراءة أو السلبية.
فقد رأت في هذه الحرب فرصة تاريخية لا تعوض لإعادة هندسة النظام الإقليمي، وتحييد منافس جيوسياسي واقتصادي شرس طالما استخدم الممرات المائية كورقة ابتزاز ضد طموحاتها التنموية.
وحسب تحليل اطلع عليه “بقش” لوكالة رويترز، تغيرت لغة الخطاب في العواصم الخليجية الكبرى، والسؤال هناك لم يعد يتمحور حول “كيف نوقف هذه الحرب؟”، بل “كيف نضمن أن تخرج إيران منها مقلمة الأظافر تماماً؟”. لقد أدركت هذه الدول أن نموذج الازدهار الاقتصادي الذي تسعى إليه (مثل رؤية السعودية 2030 وغيرها) لا يمكن أن ينجح في ظل بقاء الترسانة الإيرانية كمسدس مصوب نحو رؤوس مستثمريها.
وبالتالي، مارست هذه العواصم ضغوطاً هادئة ولكنها شرسة على واشنطن، مؤكدة أن مجرد وقف إطلاق النار هو “تسوية مؤقتة”، وأن المطلوب هو استغلال الآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية لتدمير البنية التحتية الهجومية الإيرانية بشكل لا رجعة فيه، وفق تحليل رويترز.
الاقتصاد كساحة معركة: طموحات ما بعد تدمير الترسانة
على الرغم من الفاتورة الباهظة التي تدفعها اقتصادات الخليج جراء توقف حركة السفر وارتفاع تكاليف التأمين البحري واضطراب أسواق الطاقة، إلا أن صانع القرار الخليجي يتعامل مع هذه الخسائر كاستثمار تكتيكي قصير الأجل.
فالهدف الاستراتيجي هو تجريد طهران من قدرتها على “تسليح” الجغرافيا والاقتصاد. العواصم الخليجية المؤثرة أبلغت الإدارة الأمريكية صراحة في غرف مغلقة بأنها لن تقبل العودة إلى المربع الأول، حيث تُترك لإيران القدرة على خنق أسواق الطاقة العالمية متى شاءت، مطالبة بفرض قيود صارمة وموثقة دولياً تمنع طهران من تهديد خطوط الملاحة مجدداً.
هذا الموقف البراغماتي الحاد تبلور من خلال إدراك خليجي عميق لقصور الاتفاقيات السابقة. ففي عام 2015، راقبت دول الخليج باستياء كيف ركز المجتمع الدولي على البرنامج النووي الإيراني، تاركاً الباب مفتوحاً أمام طهران لتطوير برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي استخدمت لاحقاً لضرب عمق الاقتصادات الخليجية.
واليوم، يرى قادة الخليج أن التدخل العسكري الأمريكي الإسرائيلي هو “عملية جراحية قاسية لكنها ضرورية” لاستئصال هذا التهديد الذي يعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية ويعطل خطط التنويع الاقتصادي.
وقد عبرت الشخصيات الدبلوماسية الخليجية عن هذا التوجه بوضوح غير مسبوق. فالمقالات والتصريحات التي صدرت عن مسؤولين، كسفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة ومستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش، لم تطلب الرحمة أو التهدئة المطلقة، بل طالبت بـ”تسوية حاسمة” تعالج مجمل التهديدات الإيرانية. هذا يعكس قراراً سيادياً بأن أي ترتيبات إقليمية مقبلة يجب أن تُصاغ بشروط المنتصر الاقتصادي، وأن تُحرم إيران من أي أدوات عسكرية أو أذرع ميليشياوية يمكن أن تستخدمها مستقبلاً لتعطيل آلة النمو الخليجية.
انقسام البيت الخليجي: فاتورة التصعيد وتضارب المصالح
ورغم هذا التوجه الصارم، يذكر تحليل رويترز أن النظرة الاقتصادية للحرب خلقت صدعاً واضحاً داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي بناءً على مدى القدرة على تحمل الألم الاقتصادي. فدول مثل سلطنة عمان والكويت وقطر، التي تعتمد بشدة على استقرار مسارات الملاحة الفورية أو تمتلك حقول غاز مشتركة مع إيران، تتحرك خلف الكواليس لإطفاء الحرائق بأسرع وقت ممكن.
هذه الدول حسب قراءة بقش تخشى من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى انهيار اقتصادي إقليمي لا يمكن السيطرة عليه، وتفضل العودة إلى الدبلوماسية واحتواء طهران اقتصادياً بدلاً من سحقها عسكرياً.
في المقابل، يقف محور الرياض – أبوظبي – المنامة موقفاً أكثر صلابة ومخاطرة. هذا المحور، الذي يمتلك احتياطيات مالية ضخمة وصناديق سيادية قادرة على امتصاص الصدمات، مستعد لتحمل الضربات الانتقامية الإيرانية المباشرة، كما حدث في ميناء جبل علي، باعتبارها “ضريبة ضرورية” لتحقيق أمن استراتيجي طويل الأمد. هذا المحور لا يرى في إيران مجرد جار مزعج، بل عائق بنيوي أمام دمج المنطقة في الاقتصاد العالمي المفتوح، ولذلك فهو يوظف الزخم العسكري الحالي لإجبار واشنطن على إنهاء المهمة وعدم الاكتفاء بأنصاف الحلول.
هذا التوظيف الاستراتيجي للأزمة يتضح في كيفية تحويل التهديد الإيراني إلى فرصة لانتزاع مكاسب من الحليف الأمريكي. فدول الخليج لم تعد تكتفي بشراء الأسلحة، بل تستخدم التداعيات الجيوسياسية لهذه الحرب لإلزام واشنطن باتفاقيات دفاعية ملزمة وشراكات أمنية مؤسسية لا تتغير بتغير الإدارات في البيت الأبيض.
وتحولت الحسابات الإيرانية الخاطئة، كما يراها صناع القرار في الخليج، إلى حجة مثالية لربط الأمن الاقتصادي للخليج بالأمن القومي الأمريكي بشكل لا ينفصم.
خطوط حمراء براغماتية: السيطرة على “خارج” ولعبة حافة الهاوية
“الشراكة غير البريئة” في دفع واشنطن لتقليم أظافر طهران، لا تعني منح أمريكا تفويضاً مفتوحاً لجر المنطقة إلى محرقة شاملة. فالتقارير الاستخباراتية، حسب اطلاع بقش، التي تشير إلى أن ترامب يدرس إرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة “خارج”، والتي يمر عبرها 90% من صادرات النفط الإيراني، أثارت فزعاً في العواصم الخليجية.
السيطرة على هذه الجزيرة تعني خنق طهران اقتصادياً بشكل كامل، وهو سيناريو سيؤدي حتماً إلى تفعيل طهران لعقيدة “الدمار المتبادل”، واستهداف كافة البنى التحتية النفطية والمدنية في الخليج بشكل هيستيري.
هنا تتجلى البراغماتية الخليجية في أبهى صورها؛ فهم يلعبون لعبة توجيه الضربات من الخلف. المسؤولون الخليجيون نقلوا تحذيرات صارمة لواشنطن برفض أي تدخل بري أو احتلال لجزيرة خرج، مدركين أن إسقاط النظام الإيراني اقتصادياً بالضربة القاضية سيسقط معهم سقف المعبد. هم لا يريدون دولة إيرانية منهارة بالكامل تتحول إلى ثقب أسود يصدر الفوضى واللاجئين، بل يريدون دولة ضعيفة ومروّضة اقتصادياً، وعاجزة عسكرياً.
بناءً على ذلك، ترسم دول الخليج “بنك الأهداف” الذي تفضله: التركيز الحصري على تدمير منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، ومصانع الطائرات المسيرة، وقواعد الزوارق السريعة. هم يوجهون الرسالة للإدارة الأمريكية بأن تفكيك القوة الهجومية الإيرانية هو الرد الأمثل لضمان أمن الملاحة العالمية واستقرار أسعار الطاقة، تاركين للاقتصاد الإيراني فرصة النزيف البطيء تحت وطأة العقوبات، دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكبير الذي سيحرق الجميع.
في نهاية المطاف، أثبتت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن السياسة في الشرق الأوسط لا تعترف بثنائية الأبيض والأسود. دول الخليج، بكل ما تملكه من ثقل نفطي ومالي، لم تكن مجرد أحجار على رقعة الشطرنج، بل كانت لاعبين رئيسيين حركوا البيادق لخدمة مصالحهم.
لقد استخدمت هذه الدول المظلة العسكرية الأمريكية كأداة لتدمير القدرات الاستراتيجية لخصمها اللدود، مستعدة لدفع ثمن مؤقت من أجل تأمين مستقبل خططها الكبرى ورؤاها المستقبلية.


