تحولات صامتة في أكبر سوق دَين بالعالم.. الصين تقلص حيازاتها من السندات الأمريكية

الاقتصاد العالمي | بقش
تتجه الأنظار مجدداً إلى سوق سندات الخزانة الأمريكية، نتيجة مسار طويل الأمد تتبعه الصين منذ أكثر من عقد لتقليص حيازاتها من الدَّين الأمريكي، ورغم أن رد فعل الأسواق على التقارير الأخيرة التي تابعها “بقش” والتي تحدثت عن توجيه بكين بنوكها للحد من شراء هذه السندات كان محدوداً ومؤقتاً، فإن دلالات هذا المسار الاستراتيجي تتجاوز التقلبات اليومية لتطرح تساؤلات أعمق حول مستقبل التمويل الأمريكي ودور الدولار في النظام المالي العالمي.
ولم يكن التحرك الصيني وليد اللحظة، فمنذ عام 2013 خفضت بكين حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية إلى نحو النصف، بعد أن كانت أكبر دائن أجنبي لواشنطن، وجعل هذا التراجع التدريجي المستثمرين يتعاملون مع الأخبار الأخيرة باعتبارها امتداداً لاتجاه قائم، لا تحولاً مفاجئاً.
فالصين، التي كانت تمتلك في السابق موقعاً محورياً في تمويل العجز الأمريكي، باتت اليوم أقل انكشافاً بصورة واضحة، إذ تشير البيانات الرسمية التي تتبَّعها بقش إلى حيازات تبلغ 683 مليار دولار، لكن تقديرات أخرى مثل تلك التي يقدمها براد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية، ترجّح أن الرقم الفعلي يتجاوز تريليون دولار، مع احتمال إعادة توزيع جزء من الحيازات عبر مراكز مالية أوروبية مثل بلجيكا، التي تضاعفت ملكيتها من السندات الأمريكية أربع مرات منذ 2017 لتصل إلى 481 مليار دولار.
دوافع بكين: إدارة مخاطر لا قطيعة كاملة
تعود أسباب التقليص الصيني إلى اعتبارات متعددة، في مقدمتها إدارة المخاطر المرتبطة بالتقلبات المحتملة في أسعار السندات، خاصة في ظل سياسات أمريكية توصف أحياناً بعدم اليقين، إضافة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر عالمياً.
وتفيد بلومبيرغ بأن الجهات التنظيمية الصينية طلبت من البنوك كبح مشترياتها من السندات الأمريكية، وتوجيه المؤسسات ذات الانكشاف المرتفع إلى خفض مراكزها، ويأتي ذلك في سياق فائض تجاري قياسي للصين بلغ 1.2 تريليون دولار، ما يعني تدفقات دولارية ضخمة تبحث عن قنوات استثمارية خارج السوق المحلية.
لكن المسألة لا تعني انسحاباً كاملاً من الدولار، فوفق إيسوار براساد، أستاذ السياسة التجارية في جامعة كورنيل، لا يزال بنك الشعب الصيني يعتمد بدرجة كبيرة على الأصول المقومة بالدولار، نظراً لندرة البدائل الآمنة والسائلة بنفس العمق الذي توفره سوق الخزانة الأمريكية. وبالتالي، فإن قدرة بكين على الابتعاد الكامل تبقى مقيدة باعتبارات عملية تتعلق بإدارة الاحتياطيات.
ويتمثل السؤال الأكثر حساسية في ما إذا كان تقليص الصين سيحفز تحركات مماثلة من حلفاء الولايات المتحدة أو من كبار المستثمرين التقليديين في الدين الأمريكي، مثل اليابان وأوروبا.
البيانات التي أوردتها بلومبيرغ تشير إلى تحركات لافتة، وإن كانت لا ترقى إلى مستوى التخارج الجماعي، فقد خفض صندوق تقاعد دنماركي استثماراته في سندات الخزانة بقيمة 100 مليون دولار، بينما قلص صندوق هولندي كبير حيازاته بنحو 10 مليارات يورو خلال ستة أشهر وفق اطلاع بقش، كما تراجعت حيازات الهند إلى أدنى مستوى في خمس سنوات، في إطار جهود دعم عملتها وتنويع احتياطياتها، وانخفضت أيضاً حيازات البرازيل من السندات طويلة الأجل.
داميان لوه من “إريكسنز كابيتال”، يرى أن الاتجاه العام يشير إلى تقليص تدريجي لانكشاف الكيانات غير الأمريكية على الأصول الأمريكية، ولا سيما السندات الحكومية، إلا أن هذا الاتجاه لا يزال تدريجياً، ولم يتحول إلى موجة بيع حادة.
متانة السوق الأمريكية
رغم هذه التحركات، فإن القراءة الاقتصادية تقول إن سوق الدَّين الأمريكية تبقى الأكثر عمقاً وسيولة في العالم، فقد بلغت حيازات الأجانب مستوى قياسياً عند 9.4 تريليون دولار في نوفمبر، حتى وإن تراجعت نسبتهم من إجمالي الدين القائم إلى نحو 31% مقارنة بحوالي 50% في مطلع 2015 حسب مراجعات بقش، ما يعكس تسارع وتيرة الاقتراض الحكومي الأمريكي أكثر مما يعكس عزوفاً استثمارياً حاداً.
وخلال الاضطراب الأخير، ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً خمس نقاط أساس قبل أن يتراجع سريعاً، مع عودة تركيز المستثمرين إلى البيانات الاقتصادية المحلية، مثل تقرير الوظائف، وتوقعات خفض أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي. كما استمرت مزادات السندات بسلاسة، وبقيت فروق أسعار العرض والطلب ضمن نطاقات مستقرة، فيما تراجعت التقلبات إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.
وتعزز هذه المؤشرات رؤية جيم أونيل، الرئيس السابق لـ”غولدمان ساكس أسيت مانجمنت”، الذي يَعتبر أن الحديث عن تخلي جماعي عن الدين الأمريكي مبالغ فيه، مشيراً إلى أن ضخامة السوق الأمريكية تتيح استيعاب أي خفض من طرف معين عبر دخول مشترين آخرين.
الجغرافيا السياسية والدولار
هذه التطورات تأتي وسط مناخ سياسي عالمي أكثر استقطاباً، فالتوترات بين واشنطن وبكين، والتصريحات المتعلقة بملفات مثل غرينلاند، تعكس بيئة دولية أقل تعاوناً، وفي مثل هذا السياق قد يتحول تمويل الدين إلى ساحة تنافس غير مباشر.
لكن الدولار ما يزال يتمتع بميزة العملة الاحتياطية العالمية، مستفيداً من عمق الأسواق الأمريكية، وشفافية النظام المالي، وتوافر أدوات دين آمنة وسائلة على نطاق واسع. وحتى الآن لم يظهر بديل قادر على استيعاب الفوائض العالمية بنفس الكفاءة.
هذا ويمثل تقليص الصين لحيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية تحركاً استراتيجياً لإعادة موازنة المخاطر وتنويع الأصول، أكثر من كونه إعلاناً لقطيعة مالية شاملة، كما أن البيانات التي قرأها بقش تشير إلى استمرار الطلب الأجنبي القوي، وإن بوتيرة أبطأ نسبياً مقارنة بنمو الدين الأمريكي.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التحرك الصيني بحد ذاته، لكنه يكمن في احتمال تحوله إلى اتجاه واسع النطاق مدفوع بالاعتبارات الجيوسياسية، بما قد يرفع كلفة الاقتراض الأمريكي على المدى الطويل، ومع ذلك تظل الوقائع الحالية أقرب إلى إعادة تموضع تدريجية داخل نظام مالي لا يزال الدولار وسندات الخزانة في قلبه، لا إلى تحول جذري في توازناته الأساسية.


