الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

ترامب: “أمريكا لا تحتاج هرمز”.. سخرية تتجاهل تعطيل العالم

الاقتصاد العالمي | بقش

في خطاب متلفز، قال الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إن “الجزء الأصعب” من الحرب قد انتهى، معتبراً أن الضربات الأمريكية ألحقت بإيران هزيمة قاسية، شملت تدمير قدراتها العسكرية البحرية والجوية، والقضاء على مشروعها النووي، إضافة إلى قتل عدد كبير من قادتها العسكريين.

لكن هذا الخطاب كان تمهيداً لمرحلة جديدة من التصعيد، إذ تعهد ترامب بشن ضربات “أكثر شدة” خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، مؤكداً استمرار العمليات حتى تحقيق كامل الأهداف الأمريكية. كما وجّه رسالة مباشرة إلى الدول المستفيدة من النفط الخليجي، مطالباً إياها بتحمل مسؤولية تأمين مضيق هرمز، ومقللاً في الوقت نفسه من حاجة الولايات المتحدة إليه، وفق اطلاع “بقش”.

وكشف هذا الطرح عن محاولة لإعادة توزيع أعباء الأمن البحري، لكنه يصطدم بواقع أكثر تعقيداً، حيث لا يمكن فصل المضيق عن توازنات الطاقة العالمية. وبينما يتحدث الخطاب الأمريكي عن اقتراب الحسم، تحذّر المواقف الدولية من الانزلاق نحو أزمة أعمق.

وتعتمد دول كبرى مثل الصين بشكل كبير على مضيق هرمز الحيوي، حيث يصل عبره نحو 45% من وارداتها النفطية و30% من وارداتها من الغاز المسال، وهذا الاعتماد يفسر حجم القلق الدولي من أي اضطراب في الملاحة، خاصة بعد أن أدى التصعيد العسكري إلى تعطيل شبه كامل لحركة السفن وارتفاع أسعار النفط.

وفي هذا السياق، بدأت اليوم الخميس نحو 35 دولة مشاورات مكثفة في بريطانيا لإيجاد آليات لإعادة فتح المضيق وتأمينه، وسط إدراك متزايد بأن استمرار تعطيله قد يقود إلى أزمة طاقة عالمية واسعة النطاق.

الموقف الصيني: العمل العسكري ليس الحل

في مقابل الطرح الأمريكي، قدمت بكين رؤية مختلفة، حيث أكدت أن أمن مضيق هرمز لا يمكن تحقيقه عبر القوة العسكرية، بل يتطلب وقف العمليات العسكرية ضد إيران. وشددت وزارة الخارجية الصينية، حسب قراءة بقش، على أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية هي السبب الرئيسي في تعطيل الملاحة، معتبرة أن استمرار التصعيد لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة.

وحمل الموقف الصيني قراءة اقتصادية بقدر ما هو موقف سياسي، إذ ترى الصين أن استقرار المضيق مرتبط مباشرة باستقرار أسواق الطاقة العالمية، وأن أي محاولة لإدارته أمنياً دون معالجة جذور النزاع ستظل قاصرة، كما دعت بكين إلى بدء مفاوضات فورية، محذرة من أن استمرار التوتر سيُلحق أضراراً أوسع بالاقتصاد العالمي.

وبالنظر إلى الميدان، لا تشير التطورات إلى تهدئة قريبة، إذ يتواصل التصعيد. فقد توعدت إيران بردود “أكثر تدميراً”، مؤكدة استمرار الحرب حتى تحقيق ما وصفته بـ”الاستسلام الكامل” لخصومها. كما وسعت نطاق عملياتها لتشمل استهداف منشآت صناعية في الخليج، خاصة في قطاعي الصلب والألمنيوم.

في المقابل، تتواصل الهجمات الجوية والصاروخية، حيث أعلنت إسرائيل اعتراض دفعات جديدة من الصواريخ الإيرانية، بينما سجلت دول الخليج حوادث اعتراض لطائرات مسيّرة وصواريخ، من بينها أضرار محدودة في أبوظبي. كما دعت الولايات المتحدة رعاياها إلى مغادرة العراق تحسباً لهجمات محتملة من جماعات مسلحة.

ماكرون: تصريحات ترامب غير محترمة

في السياق، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن بلاده ترفض فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، واصفاً هذا الخيار بأنه يحمل أخطاراً جسيمة، وشدد على أن المفاوضات الجادة ووقف إطلاق النار هما السبيل الوحيد لاستعادة الملاحة وضمان تدفق الطاقة.

كما انتقد ماكرون تذبذب الموقف الأمريكي، مؤكداً أن الحل المستدام يتطلب إطاراً دبلوماسياً للتحقق من البرنامج النووي الإيراني عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعالجة ملفات الصواريخ الباليستية وأذرع طهران الإقليمية، بعيداً عن العمليات العسكرية التي وصفها بأنها “حرب أمريكا وإسرائيل وليست حرب فرنسا”.

وعلى صعيد العلاقات الدولية، وصف ماكرون تصريحات ترامب الأخيرة بحقه -وبحق حلف الناتو أيضاً- بأنها تصريحات “غير محترمة”، و”ليست لائقة بالمستوى المطلوب”، و”لا تستحق رداً”، رافضاً التعليق عليها ومؤكداً أن بلاده تعمل وفق مصالح مواطنيها وشركائها لا وفق التقلبات الأمريكية.

وكان ترامب سخر من ماكرون وزوجته، يوم أمس الأربعاء، خلال غداء خاص. وقال ترامب: “اتصلت بفرنسا، بماكرون الذي تعامله زوجته معاملة سيئة للغاية”. وأضاف: “لا يزال (ماكرون) يتعافى من لكمة قوية على فكه (من زوجته)”، في إشارة إلى مقطع فيديو في مايو 2025 وثّق تصرف زوجة ماكرون وهي توجه لكمة له خلال رحلة إلى فيتنام.

وتابع ترامب: “قلت لإيمانويل، نرغب في الحصول على بعض المساعدة في الخليج رغم أننا نكسر الأرقام القياسية من حيث عدد الأشرار الذين نقضي عليهم وعدد الصواريخ البالستية التي ندمرها. نرغب في الحصول على بعض المساعدة. إذا أمكن، هل يمكنك إرسال سفن على الفور؟”، ليرد عليه الرئيس الفرنسي: “لا يمكننا فعل ذلك، يمكننا فعلها بعد انتهاء”، وهو ما ردّ عليه ترامب بأن “لا حاجة إلى ذلك بعد انتهاء الحرب”. وإلى جانب ذلك، وصف ترامب حلف الناتو بأنه “نمر من ورق”.

الصراع على الملاحة واتفاق إيراني عماني

بالتوازي مع التصعيد العسكري، يتشكل صراع موازٍ حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز. فبينما تسعى دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا إلى تأمين الممر عبر مسارات دبلوماسية واقتصادية، تقول إيران إن لها خياراتها الخاصة لتقييد العبور، بما في ذلك فرض رسوم أو حظر مرور سفن دول تعتبرها معادية.

لكن في جانب آخر، تعمل إيران وسلطنة عمان حالياً على صياغة بروتوكول مشترك يهدف إلى مراقبة وتنظيم حركة السفن عبر مضيق هرمز. ووفق تصريحات تابعها بقش من نائب وزير الخارجية الإيراني، فإن هذا الإجراء يهدف إلى تسهيل المرور الآمن وتقديم خدمات أفضل للسفن العابرة بدلاً من فرض قيود عليها، مع التأكيد على ضرورة خضوع الملاحة لإشراف الدولتين الساحليتين كحق سيادي حتى في أوقات السلم.

وفي وسط كل ذلك، ورغم حديث ترامب عن اقتراب إنهاء الحرب وتجاوز الجزء الأصعب منها، فإن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى عكس ذلك، إذ يستمر التصعيد بينما لا تزال الملاحة في مضيق هرمز معطلة، وتتأثر الأسواق العالمية بشكل مباشر. وأمام ذلك تبدو الأزمة مرشحة للاستمرار عسكرياً واقتصادياً.

زر الذهاب إلى الأعلى