ترامب يضغط على شركات الدفاع: أفضل الأسلحة والطائرات لا معنى لها إذا تأخرت.. والأسواق ترتبك

الاقتصاد العالمي | بقش
لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استخدام صلاحيات تنفيذية غير مسبوقة للضغط على شركات تصنيع الأسلحة، في مسعى معلن لتسريع الإنتاج العسكري وضمان الالتزام بمواعيد التسليم للجيش الأمريكي وحلفائه، بعد سنوات من الشكاوى المتراكمة في واشنطن بشأن التأخير وتضخم التكاليف.
ونهاية الأسبوع الماضي وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يفرض قيوداً مباشرة على شركات الصناعات الدفاعية التي يُنظر إلى أدائها على أنه متدنٍ أو التي لم تستثمر بما يكفي في توسيع قدراتها الإنتاجية، وينص القرار وفق اطلاع بقش، على حظر إعادة شراء الأسهم أو توزيع الأرباح النقدية في حال عدم تنفيذ استثمارات رأسمالية كافية في المصانع والبنية الإنتاجية.
ويمنح الأمر التنفيذي وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، صلاحيات واسعة وغير معتادة، تشمل مراجعة حزم التعويضات الخاصة بالشركات التي تواصل إعادة شراء أسهمها رغم تقاعسها عن الاستثمار.
كما أُلزم هيغسيث بإعداد قائمة بهذه الشركات خلال مهلة لا تتجاوز 30 يومًا، على أن تواجه الشركات المدرجة عليها مخاطر فرض سقوف على رواتب كبار التنفيذيين، فضلًا عن احتمال فقدان دعم الإدارة الأمريكية في صفقات المبيعات العسكرية الخارجية.
ولا يقتصر القرار على الإجراءات العقابية، بل يفرض أيضاً إدراج بنود إلزامية في العقود العسكرية المستقبلية تربط مكافآت التنفيذيين بشكل مباشر بزيادة الإنتاج والالتزام بالجداول الزمنية للتسليم.
رسالة سياسية لشركات السلاح
حسب تناول بقش، تعكس هذه الخطوة تحولاً في طبيعة تعامل الحكومة الأمريكية مع كبار مقاولي الدفاع، وعلى رأسهم شركات مثل “لوكهيد مارتن” و”بوينغ” و”جنرال دايناميكس” و”نورثروب غرومان” و”آر تي إكس” المالكة لـ”رايثيون”.
هذا التحول يأتي في إطار مساعي إدارة ترامب لإعادة هيكلة نظام مشتريات الأسلحة في البنتاغون، الذي غالباً ما أفضى إلى تأخيرات تمتد لسنوات وتجاوزات حادة في الميزانيات.
وفي اجتماع مغلق مع مشرّعين جمهوريين، أكد ترامب أن شركات الدفاع باتت “تحت المراقبة”، مشدداً على أن امتلاك أفضل الأسلحة في العالم لا معنى له إذا كان الحصول عليها يستغرق وقتاً مفرطاً.
وضرب مثالاً بانتظار الحلفاء أربع سنوات للحصول على طائرة، وخمس سنوات لاستلام مروحية “أباتشي” من تصنيع “بوينغ”، كما حدث مع الهند، متعهداً بعدم السماح باستمرار هذا الوضع.
وفي تصعيد لافت، شنّ ترامب هجوماً علنياً على شركة “رايثيون”، واصفًا إياها بأنها الأقل استجابة لاحتياجات وزارة الدفاع، وهدد بقطع العقود العسكرية معها إذا لم تقيّد عمليات إعادة شراء أسهمها.
وبالتوازي مع الضغوط، برز اتفاق “لوكهيد مارتن” مع وزارة الدفاع كنموذج جديد للعلاقة بين الحكومة وشركات السلاح. فقد أعلنت الشركة التزامها بزيادة إنتاج صواريخ الاعتراض “PAC-3” بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال سبع سنوات، مقابل تعهد حكومي بطلبات طويلة الأجل للفترة نفسها، على أن تتحمل الشركة تمويل التوسّع اللازم.
ويُقدَّم هذا الاتفاق بوصفه إطاراً بديلاً يعوّل عليه البنتاغون لدفع الشركات نحو الاستثمار بثقة أكبر، في وقت يُنظر فيه إلى الأمر التنفيذي كأداة ضغط لدفع المزيد من الشركات إلى صفقات مماثلة. وأكدت «لوكهيد مارتن» في بيان رسمي طالعه بقش توافقها مع تركيز إدارة ترامب على السرعة والمساءلة والنتائج، وتعهدت بمواصلة الاستثمار والابتكار لضمان التفوق العسكري الأمريكي.
جذور الأزمة: الأرباح قبل الاستثمار
تكشف هذه المواجهة عن إشكالية مزمنة تحظى بإجماع الحزبين في واشنطن، تتمثل في ميل شركات الدفاع إلى توجيه فوائضها المالية نحو إعادة شراء الأسهم وتعزيز رواتب التنفيذيين، بدل الاستثمار في البحث والتطوير وبناء أو تحديث المصانع.
وتدعم هذه الانتقادات دراسة صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية عام 2023، خلصت إلى أن كبار المتعاقدين أنفقوا بين عامي 2010 و2019 مبالغ أكبر على إعادة الأموال إلى المساهمين مقارنة بالعقود السابقة، في وقت تراجع فيه الإنفاق على البحث والتطوير وتوسيع القاعدة الصناعية.
وفي الشهر الماضي، وجّهت السيناتورة إليزابيث وارن والنائب كريس ديلوزيو رسالة إلى وزير الخزانة سكوت بيسنت، أبديا فيها استعدادهما للتعاون معه عقب تصريحاته التي أكد فيها أن شركات الدفاع متأخرة بشدة في تسليم الطلبيات، داعياً إلى تقليص عمليات إعادة شراء الأسهم وزيادة الاستثمار في البحث.
ورغم دعمها للهدف، شددت وارن على ضرورة أن يعمل ترامب مع الكونغرس بدل اتخاذ قرارات أحادية، معلنة إعداد مشروع قانون جديد يتضمن ضمانات قوية، ومؤكدة أن الأمن القومي يجب أن يتقدم على أرباح “وول ستريت” ورواتب الرؤساء التنفيذيين.
وجهة نظر الشركات: غياب اليقين
في المقابل، يرى محللون وخبراء أن تردد شركات الدفاع في توسيع طاقتها الإنتاجية لا يعود فقط إلى الجشع، بل إلى غياب القدرة على التنبؤ بحجم الطلب الحكومي.
جيري ماكغين، مدير مركز القاعدة الصناعية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يقول إن هناك تقلباً كبيراً في حجم الطلبيات من عام إلى آخر، ما يخلق مستويات عالية من عدم اليقين وعدم الاستقرار.
ويؤكد ماكغين أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في عقود متعددة السنوات، مثل صفقة “لوكهيد مارتن”، وليس في التدخل المباشر في سياسات رواتب التنفيذيين أو إعادة شراء الأسهم.
ارتباك الأسواق والمستثمرين
قرارات ترامب أثارت موجة قلق واسعة في الأسواق المالية حسب تتبُّع مرصد بقش، إذ تضمّن الأمر التنفيذي قيوداً على توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم ورواتب التنفيذيين دون توضيح معايير الأداء أو آليات تطبيق العقوبات.
جاء ذلك متزامناً مع دعوة ترامب الكونغرس إلى رفع الإنفاق العسكري بنسبة 50% ليصل إلى 1.5 تريليون دولار بحلول 2027، ما خلق مفارقة لدى المستثمرين بين توقعات ازدهار الطلب الدفاعي وتهديد مباشر لجاذبية العائد على رأس المال.
وخلال عامي 2023 و2024، أعادت الشركات الكبرى نحو 50 مليار دولار إلى المساهمين حسب مراجعة بقش، مقابل استثمارات أقل، ما غذّى انتقادات البيت الأبيض.
وفي هذا السياق، امتنعت “بوينغ” عن إعادة أي رأس مال، مركّزة على معالجة أوضاعها المالية، وشهدت أسهم القطاع تقلبات حادة، إذ تراجعت فور الإعلان عن القيود، قبل أن تعاود الارتفاع مع الحديث عن زيادة محتملة في ميزانية الدفاع، غير أن هذا التفاؤل ظل هشاً في ظل الضبابية التنظيمية.
وينص الأمر التنفيذي على منح وزير الدفاع مهلة محدودة لتقييم أداء المتعاقدين، مع صلاحيات لتعليق توزيعات الأرباح وربط أجور التنفيذيين بمؤشرات تشغيلية مثل سرعة الإنتاج والالتزام بالمواعيد.
مع ذلك، يشكك محللون في الأساس القانوني الذي يسمح للحكومة بفرض قيود مباشرة على سياسات توزيع رأس المال، محذرين من تأثير ذلك على قدرة الشركات على استقطاب قيادات مؤهلة.
ووسط هذا المناخ، يُتوقع أن تلجأ الشركات إلى خطوات احترازية، كتعليق مؤقت لإعادة شراء الأسهم، لتجنب صدام سياسي مباشر، كما تبقى حدود تطبيق القرار غير واضحة، خاصة فيما يتعلق بالشركات الأجنبية ذات الوجود الواسع في السوق الأمريكية.


