
الاقتصاد اليمني | بقش
على الرغم من الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها حكومة عدن وبنك عدن المركزي، لا تزال المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة تشهد اضطرابات اقتصادية حادة تؤثر على حياة الأسر وقدرتها على الحصول على الغذاء، في ضربة واضحة لمساعي الإصلاح، وفقاً لتقرير لشبكة الإنذار المبكر “FEWS”.
يشير تقرير FEWS الذي اطلع عليه مرصد “بقش”، إلى أن حالة الأزمة واسعة النطاق (المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) ستستمر حتى مايو 2026 على الأقل، نتيجة استمرار الصراع الاقتصادي بين سلطات صنعاء وعدن، وهو ما يقوّض النشاط الاقتصادي الحيوي ويزيد من تكاليف المعيشة، ويؤدي إلى بيئة أعمال متردية وسوق عمل ضعيف وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
كما يُتوقع استمرار حالة الطوارئ (المرحلة الرابعة) في محافظات الحديدة وحجة وتعز حتى مايو 2026، نتيجة الآثار المستمرة للهجمات الصاروخية على البنية التحتية الرئيسية، مثل الموانئ والمصانع، وعجز سلطات صنعاء عن التعافي، ما فاقم الطلب على العمالة وقلل من مصادر الدخل الرئيسية للأسر.
ورغم حصاد الحبوب في نوفمبر 2025 وحصاد الحمضيات، الذي قد يؤدي إلى تحسينات موسمية طفيفة في الحصول على الغذاء والدخل، فقد قلّص النزاع الأراضي المزروعة، حيث تعذر على المزارعين الوصول إلى الأراضي الواقعة في مناطق المواجهة أو المحتوية على مخلفات حرب متفجرة.
وأدى انخفاض المساحة المزروعة إلى زيادة التنافس على العمالة الزراعية في المناطق غير المتأثرة بالنزاع، في ظل سوق عمل ضعيف أصلاً. كما تشير توقعات هطول الأمطار حتى نهاية 2025 إلى أن حصاد الحبوب سيكون أقل من المتوسط.
تأثير الإصلاحات الاقتصادية محدود.. والكارثة في “رفع الدولار الجمركي”
في 28 أكتوبر 2025، وافق المجلس الرئاسي، برئاسة رشاد العليمي، على خطة إصلاح اقتصادي شاملة لتعزيز الإصلاحات التي نفذتها حكومة الإقليم وبنك عدن المركزي في أغسطس الماضي. وشملت الإصلاحات إغلاق الموانئ البحرية غير القانونية ومعالجة اختلالات الإيرادات العامة على مستوى المحافظات ووقف الضرائب غير القانونية على الواردات.
تم استهداف إغلاق موانئ مثل قنا في شبوة، والشحر في حضرموت، ونشطون في المهرة، ورأس العارة في لحج، بهدف تركيز عائدات الواردات عبر موانئ عدن والمكلا. ومع ذلك، لم تُحرز الحكومة تقدماً يُذكر في إعادة عائدات الموانئ إلى بنك عدن المركزي بسبب ضعف الرقابة المؤسسية، حيث يواصل مسؤولون رفيعو المستوى تشغيل الموانئ دون إيداع العائدات.
كما تواجه حكومة الإقليم صعوبات في موازنة ميزانيتها، ودفع رواتب الموظفين الحكوميين، والحفاظ على الخدمات العامة الأساسية كالكهرباء.
ويُعد تعديل سعر صرف الدولار الجمركي المتوقع في 2026 عنصراً أساسياً في خطة الإصلاح الاقتصادي، لكن المحللين المحليين يتوقعون أن ترتفع أسعار السلع غير الغذائية بنسبة تتراوح بين 6 إلى 7% بسبب ضعف تطبيق ضوابط الأسعار.
وفي السادس عشر من نوفمبر، أودعت السعودية دفعة أولى تبلغ 90 مليون دولار (من أصل 368 مليون دولار في 20 سبتمبر) لدى بنك عدن المركزي، وهو ما مكّن الحكومة من استئناف الالتزامات المؤجلة مثل صرف الرواتب المنقطعة منذ أشهر، لكنها لا تعالج المشاكل الاقتصادية طويلة الأجل وفق ما أكده التقرير.
مناطق حكومة صنعاء
في المقابل يستمر الوضع الاقتصادي في مناطق حكومة صنعاء في التدهور نتيجة حملات تستهدف الأنشطة التجارية، بما في ذلك المطاعم والمتاجر والفنادق، وفرض رسوم إضافية وقيود تنظيمية مشددة.
وقد أُغلقت العديد من الشركات الصغيرة بسبب فرض ضريبة جمركية بنسبة 100% على السلع غير الغذائية المستوردة.
ويُعد العمل اليومي والعمل الحر أحد أهم مصادر الدخل للأسر، لكن استمرار خسائر الدخل وتراجع القدرة الشرائية يحد من القدرة على شراء الغذاء بالتقسيط.
وتصاعدت حدة التوتر بين حكومة صنعاء والسعودية في نوفمبر، مع اتهام الرياض بعدم الوفاء بالتزاماتها بموجب خارطة طريق اتفاق السلام، خاصة إعادة الإعمار ودفع الرواتب في المرحلة الأولى.
كما زاد الحشد العسكري والتعزيزات على الجبهات الرئيسية ضد سلطات صنعاء حسب التقرير.
المساعدات الإنسانية
في مناطق حكومة صنعاء توقفت مساعدات برنامج الأغذية العالمي منذ آخر توزيع في أغسطس.
أما في مناطق حكومة عدن أكمل البرنامج الدورة الخامسة من المساعدات الطارئة لعام 2025 في منتصف أكتوبر لدعم نحو 3.4 ملايين شخص، ويجري حالياً تنفيذ الدورة السادسة، مع وصول البرنامج إلى 487,963 مستفيداً بحوالي 4,200 طن متري من الغذاء حتى أكتوبر.
ووفق قراءة بقش، يخطط البرنامج لاستئناف المساعدات في يناير 2026، مع احتمال تقليص حجم الحصص وعدد المستفيدين بسبب نقص التمويل.
عجز الإصلاحات والدعم عن حل المشاكل الاقتصادية
يخلص التحليل إلى أنه رغم الإجراءات الإصلاحية الجريئة التي تبنتها حكومة عدن، مثل إغلاق الموانئ غير القانونية ومعالجة اختلالات الإيرادات، لا تزال المشاكل الاقتصادية والمالية والعسكرية والسياسية تعرقل تحقيق تحسن ملموس في حياة الأسر.
ضعف الرقابة المؤسسية، وارتفاع أسعار السلع غير الغذائية، وتوقف المساعدات الإنسانية، والنزاعات المستمرة، كل ذلك يحد من قدرة الإصلاحات على توفير الأمن الغذائي واستقرار الاقتصاد المحلي.
أما الدعم المالي الدولي، رغم أهميته في معالجة العجز قصير الأجل، لا يواجه جذور الأزمة الاقتصادية الممتدة، مما يترك حكومة عدن في مواجهة تحديات معقدة على صعيد المالية العامة والقدرة الشرائية للأسر.


