تقرير دولي يكشف عن فجوة سعرية تستنزف الدخل في اليمن رغم استقرار الصرف.. وتشوهات سوقية تهدد الملايين

الاقتصاد اليمني | بقش
كشف “تقرير الرصد المشترك” الصادر في يناير 2026، والذي يعده تحالف من كبرى المنظمات الأممية والدولية (البنك الدولي، منظمة الأغذية والزراعة، برنامج الأغذية العالمي، منظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الصحة العالمية)، عن واقع اقتصادي وغذائي بالغ التعقيد يواجه اليمنيين مع مطلع العام الجديد.
ويشير التقرير وفق قراءة “بقش” إلى أن اليمن لا يزال يحتل المرتبة الرابعة عالمياً في قائمة الدول الأكثر انعداماً للأمن الغذائي، حيث تشير التوقعات إلى أن أكثر من نصف السكان (نحو 18.3 مليون نسمة) سيواجهون مستويات “الأزمة” (المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل) أو ما هو أسوأ بحلول أوائل عام 2026.
وتُظهر البيانات الاقتصادية الواردة في التقرير وجود اختلالات هيكلية عميقة في الأسواق، حيث يعجز 61% من الأسر على مستوى البلاد عن تلبية احتياجاتها الغذائية الدنيا. ويبرز التقرير تبايناً حاداً في المؤشرات الاقتصادية والمعيشية بين مناطق نفوذ “حكومة عدن” ومناطق سيطرة “حكومة صنعاء”، حيث سُجلت مستويات الحرمان الشديد من الغذاء بنسب أعلى في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء، وتحديداً في محافظات البيضاء وريمة والجوف وحجة، وتصل التوقعات في هذه المناطق إلى حدوث مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف) لنحو 41,000 شخص، وهو أعلى مستوى في تصنيف انعدام الأمن الغذائي.
وسلط التحليل الاقتصادي الضوء على مؤشرات “واردات الغذاء والوقود بالوكالة” كأدوات لقياس التباعد بين الأسعار المحلية والعالمية، والتي أطلقت مئات الإنذارات الحمراء والصفراء. وتكشف هذه المؤشرات عن تشوهات سوقية لا ترتبط فقط بسعر الصرف، بل بسلاسل الإمداد والتسعير الداخلي، وتأتي هذه البيانات وسط تقلبات مستمرة، وتوقعات بتفاقم الوضع مع اقتراب موسم الجفاف ونقص المساعدات الإنسانية.
تضخم “دولاري” وفجوة أسعار الوقود
سجل مؤشر “واردات الغذاء بالوكالة”، الذي يقيس الفارق بين أسعار السلع الغذائية المحلية وأسعارها في السوق العالمية، أعلى عدد من الإنذارات، حيث تم رصد 162 إنذاراً عند مستوى “خطر حرج” و114 إنذاراً عند مستوى “خطر مرتفع”.
وتتركز الغالبية العظمى من هذه الإنذارات في المحافظات الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء، حيث أظهرت البيانات أن القيمة بالدولار الأمريكي للسلع الغذائية هناك أعلى بكثير من الأسعار العالمية، مما يشير إلى تضخم في التكاليف لا يبرره سعر الصرف المستقر نسبياً في تلك المناطق.
وفي تفصيل دقيق لهذا التشوه السعري، وجد مرصد “بقش” بأن التقرير يشير إلى أن الفجوة بين السعر المحلي والسعر العالمي في مناطق حكومة صنعاء تجاوزت “عتبة الخطر الحرج” بنسبة 14%، لتصل إلى أعلى قيمة لها منذ أبريل 2019. وسجلت محافظة الجوف أعلى قيمة للمؤشر، حيث تجاوزت العتبة الحرجة بنسبة 49%. هذا التباعد يشير إلى أن المستهلك في تلك المناطق يدفع ثمن السلع بقيمة حقيقية (مقومة بالدولار) تفوق بكثير ما يدفعه المستهلك في الأسواق الدولية، مما يستنزف القدرة الشرائية للمواطنين.
أما فيما يخص الطاقة، فقد سجل مؤشر “واردات الوقود” 215 إنذاراً بمخاطر مرتفعة، وجميعها تركزت في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء بالإضافة إلى سقطرى. وكشف التحليل المالي أن السعر التراكمي للتر البترول وكيلوجرام غاز الطهي في مناطق حكومة صنعاء بلغ في المتوسط 1.63 دولار أمريكي، وهو ما يقارب ضعف السعر العالمي المكافئ الذي يبلغ 0.79 دولار فقط. هذا الفارق الكبير يعكس أعباءً إضافية على تكاليف المعيشة والإنتاج في تلك المناطق.
وعلى صعيد حركة الموانئ، أظهرت البيانات ارتفاعاً في واردات الغذاء عبر موانئ البحر الأحمر (الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء) لتصل إلى 596,000 طن متري في نوفمبر، بزيادة سنوية قدرها 28%. في حين شهدت الموانئ الجنوبية (الخاضعة لسيطرة حكومة عدن) انخفاضاً بنسبة 32% في الواردات الغذائية مقارنة بالعام السابق. وتشير هذه البيانات إلى تغير في مسارات التدفق السلعي، لكنها لم تنعكس انخفاضاً في الأسعار النهائية للمستهلك في مناطق الشمال.
هشاشة الوضع
حذر التقرير من أن التوقعات الاقتصادية لليمن على المدى القصير والمتوسط تظل “هشة للغاية” في عموم البلاد. ففي مناطق حكومة عدن، أدت التطورات الأخيرة مطلع ديسمبر 2025 في المحافظات الجنوبية والشرقية، والنزاع للسيطرة على مناطق إنتاج النفط في حضرموت، إلى تعطيل إنتاج الوقود. وتسببت هذه الاضطرابات في انقطاعات مستمرة للكهرباء ونقص محتمل في الوقود، مما يهدد بتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة الأساسية مثل المياه والصحة.
وفي المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء، يُتوقع أن يزداد الوضع سوءاً مع نقص المساعدات الإنسانية واقتراب موسم الجفاف. وتشير التقديرات المستندة إلى نموذج الرصد المشترك إلى أن 14 مليون شخص (أي 35% من السكان) يعيشون في مناطق معرضة لخطر الانزلاق إلى مستويات “الطوارئ” (المرحلة الرابعة) أو ما هو أسوأ، منهم 7.6 مليون في مناطق حكومة صنعاء و6.4 مليون في مناطق حكومة عدن.
كما رصد التقرير عودة مؤشر “النزوح” للارتفاع، حيث سُجلت أعلى معدلات نزوح منذ نوفمبر 2023، مدفوعة بشكل أساسي بالصراع. وقد نزحت 462 أسرة جديدة في شهر نوفمبر وحده. ويضيف هذا النزوح المستمر ضغوطاً اقتصادية على المجتمعات المضيفة ويزيد من أعداد الفئات الأشد احتياجاً، في ظل صعوبة الوصول إلى المتضررين.
يخلص التقرير إلى أن الاقتصاد اليمني لا يزال يعمل في ظل ظروف بالغة التعقيد، حيث لم تنجح التحسينات النقدية الطفيفة في مناطق حكومة عدن، ولا استقرار الصرف الاسمي في مناطق حكومة صنعاء، في إبعاد شبح انعدام الأمن الغذائي الذي يهدد الملايين. وتؤكد البيانات التي يرصدها بقش أن الفجوة الكبيرة بين الأسعار المحلية والعالمية، وتشير إلى وجود عوائق هيكلية وتشوهات في السوق، تجعل الغذاء والوقود سلعاً باهظة الثمن قياساً بالدخل المحدود للمواطن اليمني.
يهدف التقرير إلى تقديم إنذار مبكر لصناع القرار والجهات الفاعلة، مؤكداً أن استمرار تجزئة المؤسسات الاقتصادية وتجدد الصراع على الموارد، سيؤدي حتماً إلى تعميق الأزمة الإنسانية وجعل عام 2026 عاماً آخر من التحديات الاقتصادية الجسيمة.


