الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

تمهيداً لسيطرة واشنطن المطلقة على نفط فنزويلا.. الشركات الأمريكية تفتح دفاتر الماضي وتطالب بتعويضات ضخمة

الاقتصاد العالمي | بقش

ربما لم يكن في حسبان الحكومة الفنزويلية الجديدة المدعومة من الولايات المتحدة، أن الشركات النفطية الأمريكية ستعود لفتح “كشف حساب” لم تنسَهُ الشركات منذ سنوات طويلة، ففي هذه الأثناء تكثّف شركات النفط تحركاتها لاستعادة مليارات الدولارات من التعويضات العالقة لدى فنزويلا، بالتوازي مع انخراط إدارة ترامب في مسار سياسي واقتصادي يهدف إلى إعادة تشكيل قطاع النفط الفنزويلي وفقاً للسياسات الأمريكية، لوضع هذا القطاع عملياً تحت مظلة النفوذ الأمريكي.

القضية، حسب اطلاع “بقش”، تعود إلى قرابة عقدين، حين أقدم الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز على تأميم أصول عدد من كبرى شركات النفط الأجنبية، وفي مقدمتها “إكسون موبيل” و”كونوكو فيليبس” الأمريكيتان، وقد كبّدت هذه الخطوة الشركات الأمريكية خسائر بمليارات الدولارات، ودشّنت مساراً قانونياً طويلاً أمام هيئات التحكيم الدولية.

وحسب البيانات التي جرى تأكيدها أخيراً، صدرت أحكام تحكيم تُلزم فنزويلا بدفع نحو 10 مليارات دولار لصالح “كونوكو فيليبس” وحدها، إلا أن الشركة لم تتمكن حتى الآن سوى من استرداد قرابة مليار دولار فقط، أي نحو عُشر المبلغ الإجمالي المحكوم به.

ويضع رئيس الشركة التنفيذي “ريان لانس” استعادة هذه المستحقات في صدارة أولويات الشركة ضمن أي ترتيبات مستقبلية مع كاراكاس.

مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية

وزير الطاقة الأمريكي “كريس رايت” كشف في مقابلة مع تلفزيون “بلومبيرغ” عن مفاوضات مكثفة تجري حالياً بين الشركات الأمريكية ورئيسة فنزويلا بالإنابة دلسي رودريغيز، بهدف التوصل إلى صيغة لتسوية التعويضات وفتح الباب أمام عودة الاستثمارات الأمريكية.

زيارة رايت إلى فنزويلا، التي شملت جولة في “حوض أورينوكو النفطي”، تُعد الأعلى مستوى لمسؤول أمريكي منذ سنوات، وتعكس انتقال العلاقة بين البلدين من مربع العقوبات والقطيعة إلى مربع التفاوض وإعادة التموضع الاستراتيجي.

وأشار رايت إلى أن رودريغيز أبدت أسفها تجاه سياسات الماضي، في إشارة إلى حقبة التأميم في فنزويلا، مع استعداد للمضي في تسويات تضمن “المسار الأمثل للمضي قدماً”.

وبالتوازي مع ملف التعويضات، تخطط الإدارة الأمريكية لإصدار تراخيص تسمح بتصدير قطع الغيار والخدمات الفنية إلى فنزويلا، في خطوة تهدف إلى إنعاش البنية التحتية النفطية المتهالكة، وتمثّل هذه التراخيص إعادة إدماج القطاع الفنزويلي في المنظومة الصناعية الأمريكية، بعد سنوات من اعتماده على شركاء مثل الصين وروسيا وإيران.

في السياق، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية أمس الجمعة، تراخيص تسمح لخمس شركات نفط عملاقة معاودة أنشطتها في فنزويلا، ووفق إيضاح الوزارة الذي تابعه بقش فإن التراخيص تشمل كلاً من شركة “بي. بي” البريطانية، و”شيفرون” الأمريكية، و”إيني” الإيطالية، و”ريبسول” الإسبانية، و”شل” البريطانية الهولندية، وتتيح هذه التراخيص للشركات إجراء تعاملات في قطاع النفط والغاز في فنزويلا وفق شروط معينة.

ومن جانب آخر نقلت وكالة رويترز أن واشنطن منحت شركة “ريلاينس ⁠إندستريز” الهندية ترخيصاً عاماً يسمح لها بشراء نفط فنزويلي مباشرة دون انتهاك للعقوبات الأمريكية المفروضة على كاراكاس.

الرسالة الأمريكية مفادها أن إعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي ستكون عبر شركات مرتبطة بالولايات المتحدة، بما يضمن تدفقات مالية واستثمارات جديدة، ويُعيد توجيه البوصلة الجيوسياسية للبلاد.

ترامب: نفط يتدفق وسيولة قادمة

ترامب أشاد علناً بمسار التعاون الجديد، مؤكداً عبر منصته “تروث سوشيال” أن العلاقات بين واشنطن وكاراكاس “استثنائية”، وأن النفط بدأ بالتدفق حسب اطلاع بقش، مع توقعات بسيولة مالية ضخمة لم تشهدها فنزويلا منذ سنوات.

وأكد هذا الخطاب رؤية الإدارة الأمريكية التي تربط بين تسوية التعويضات، وعودة الشركات الأمريكية، وارتفاع الإنتاج، وتحقيق مكاسب اقتصادية مشتركة، كما يحمل بُعداً داخلياً، إذ يقدّم الاتفاق بوصفه نجاحاً في استعادة حقوق الشركات الأمريكية وتعزيز أمن الطاقة.

ولا يقل البعد الجيوسياسي أهميةً عن البعد المالي، فقد أكد وزير الطاقة الأمريكي أن منح الشركات الغربية “الأكثر نزاهة والأقل فساداً” دوراً قيادياً في إعادة إعمار القطاع سيؤدي إلى تقليص نفوذ الصين وروسيا وإيران، الذي ازداد خلال سنوات العزلة والعقوبات الأمريكية التي طحنت اقتصاد فنزويلا.

وتمتلك فنزويلا أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، ويُعد حوض “أورينوكو” القلب الثقيل للإنتاج المستقبلي وفق قراءات بقش، لذا فإن إعادة تموضع الشركات الأمريكية هناك تعني عملياً إعادة رسم موازين النفوذ في منطقة تعد تقليدياً ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة.

معادلة التعويض مقابل الاستثمار

لعل التحدي الأساسي هو في صياغة معادلة متوازنة، إذ كيف يمكن لفنزويلا، التي تعاني من أزمة مالية مزمنة، أن تسدد مليارات الدولارات المستحقة، وفي الوقت ذاته تجذب استثمارات جديدة لرفع الإنتاج؟

الطرح الأمريكي يبدو قائماً على ربط سداد التعويضات بعودة الشركات وضخ رؤوس أموال جديدة، بحيث تُستخدم زيادة الإنتاج والتدفقات النقدية المستقبلية كرافعة لسداد المستحقات تدريجياً. هذه المقاربة، إن نجحت، ستؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة المشروطة بين البلدين.

وما يجري حالياً يتجاوز مجرد تسوية نزاع قانوني قديم، فهو إعادة هيكلة شاملة لقطاع النفط الفنزويلي بسياسات أمريكية، من حيث الملكية، والتمويل، وسلاسل التوريد، والتحالفات الدولية، وإذا مضت المفاوضات حتى النهاية فإن الولايات المتحدة لن تكون فقط شريكاً استثمارياً، بل ستصبح لاعباً محورياً في إدارة واحد من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم.

وبينما تتحدث واشنطن عن احترام السيادة الفنزويلية، فإن حجم الانخراط الأمريكي المرتقب يشير إلى مرحلة نفوذ اقتصادي عميق، قد يعيد فنزويلا تدريجياً إلى الفلك الغربي.

هنا تقف كاراكاس أمام مفترق طرق، فالتسوية تفتح الباب أمام استثمارات وتدفقات مالية ضخمة، لكنها في الوقت ذاته تعيد تعريف علاقتها بالقوى الكبرى، أما الشركات الأمريكية وفي مقدمتها “كونوكو فيليبس”، فتسعى لتحويل أحكام التحكيم المجمدة إلى أصول حقيقية، مستفيدةً من لحظة سياسية مواتية أكثر من أي وقت مضى.

زر الذهاب إلى الأعلى