الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

معركة المعادن الحرجة: واشنطن تحشد 50 دولة لمواجهة الهيمنة الصينية

الاقتصاد العالمي | بقش

بينما أصبحت المعادن عصب الصناعات الأكثر حساسية مثل أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والبطاريات والصناعات العسكرية والتقنيات المتقدمة المرتبطة بالأمن القومي، تتحرك أمريكا في اتجاه مواجهة الصين، حيث تستضيف الولايات المتحدة اليوم اجتماعاً غير مسبوق يضم أكثر من خمسين دولة، في محاولةٍ لإعادة رسم خريطة سلاسل الإمداد العالمية، وتقويض الهيمنة الصينية التي راكمتها بكين بهدوء وعلى مدى عقود.

ووفقاً لاطلاع “بقش” فإن الاجتماع الذي تستضيفه واشنطن يُراد به تنسيق دولي لمواجهة واقع فرضته بكين عبر سيطرتها شبه المطلقة على مراحل المعالجة والتكرير، وليس فقط على التعدين.

المشاركون، ومنهم دول صناعية كبرى مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية، إلى جانب دول منتجة للمعادن مثل أستراليا وجمهورية الكونجو الديمقراطية، جاءت مشاركتهم كمزيج مقصود، حيث هي دول تملك التكنولوجيا وتحتاج المواد، ودول تملك المواد وتفتقر للبنية الصناعية، ودول تسعى للخروج من الاعتماد الأحادي على الصين.

ويَشِي غيابُ قائمة رسمية كاملة للمشاركين بحساسية التحرك، ويؤكد أن واشنطن تحاول بناء شبكة مرنة لا تحالفاً صلباً يُستفز به الخصم مباشرة.

مشروع “فولت”.. عودة الدولة إلى السوق

أطلق ترامب مشروع “فولت” (احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة “النادرة”)، لضمان عدم تعرض الشركات والعمال في الولايات المتحدة لضرر بسبب أي نقص، فبدلاً من الاعتماد المطلق على السوق الحرة، تعود الدولة عبر مخزون استراتيجي للمعادن الحرجة، بتمويل حكومي مباشر بقيمة 10 مليارات دولار، وبشراكة مع رأس المال الخاص بقيمة ملياري دولار.

ويعكس هذا النموذج إدراكاً أمريكياً متأخراً بأن الصين لم تنتصر عبر السوق وحده، بل عبر تخطيط مركزي طويل النفس، ودعم حكومي مستمر لقطاع المعالجة والتكرير، وهو ما أهملته واشنطن لعقود.

وقال ترامب إن المشروع سيجمع بين تمويل خاص قيمته ملياري دولار وقرض حجمه 10 مليارات دولارات من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي لشراء المعادن وتخزينها لصالح شركات صناعة السيارات والتكنولوجيا وغيرها.

كما أعلنت اليابان أن سفينة الأبحاث “تشيكيو” نجحت في استخراج عينة من رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة من عمق نحو 6 آلاف أمتار في مياه المحيط الهادئ قبالة جزيرة مينامي توريشيما النائية، في أول عملية استكشاف من نوعها عالمياً تهدف إلى تعزيز أمن سلسلة التوريد وتقليل الاعتماد على الصين في هذا القطاع الحيوي.

وتنظر الدول إلى أن الصين لم تعتمد على الاحتكار الصريح، لكنها اعتمدت على السيطرة الهادئة على عنق الزجاجة: المعالجة والتكرير، فحتى حين تُستخرج المعادن من أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، غالباً ما تُرسل إلى الصين لمعالجتها.

وتشير التقارير التي تتبَّعها بقش إلى أن الصين خلال السنوات الماضية فرضت قيوداً انتقائية على التصدير، ومنعت ارتفاع الأسعار عندما يخدم ذلك استراتيجيتها، وأغرقت السوق بفائض الليثيوم، ما أدى إلى إفشال مشاريع توسع أمريكية وأوروبية.

هذه السياسات أدت فعلياً إلى إغلاق مصانع سيارات في أوروبا وأمريكا، وتعطيل سلاسل إنتاج حساسة، وخلق حالة عدم يقين استثماري لدى المنافسين.

فشل الغرب في بناء بدائل مستدامة

رغم التحذيرات المتكررة منذ سنوات، فشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في إنشاء قدرات معالجة محلية، وتجاوز العوائق البيئية والتنظيمية، وتوفير حوافز طويلة الأجل للمستثمرين.

والنتيجة أن الغرب ظل عالقاً بين الحاجة الملحة للمعادن، والخوف من كلفة استخراجها ومعالجتها داخلياً، ما جعل الصين عملياً الشريك الإجباري حتى للدول التي تنافسها سياسياً.

وأحد أكثر المؤشرات دلالة على قوة النفوذ الصيني، كان قرار ترامب في أكتوبر الماضي تقليص الرسوم الجمركية مقابل تعهد بكين بعدم تشديد القيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة، وكشف هذا القرار عن هشاشة الموقف الأمريكي، وأظهر أن المعادن باتت ورقة تفاوض لا تقل أهمية عن التجارة أو العملات، كما أكد أن المواجهة مع الصين لا يمكن كسبها بالشعارات فقط.

وتدرس واشنطن وشركاؤها حزمة من التدخلات غير التقليدية، من بينها مواءمة حوافز التجارة والاستثمار، ودعم التعدين والمعالجة خارج الصين، ووضع حد أدنى للأسعار لمنع الإغراق، إنشاء مخزونات استراتيجية، وحتى فرض قيود تصدير مضادة، وهي إجراءات تحاول نقل الصراع من حرية السوق إلى إدارة السوق، في تحول كبير عن الخطاب الليبرالي التقليدي.

وأُعلن عن انضمام 11 دولة جديدة إلى نادي تجارة المعادن الحيوية، مع إبداء 20 دولة أخرى اهتماماً قوياً، ما يشير إلى تشكل كتلة اقتصادية ناشئة قد تعيد توزيع النفوذ في هذا القطاع، بوجود دول مثل السعودية، لكن نجاح هذا المسار وفق قراءة بقش سيظل رهناً بالقدرة على تحويل النوايا إلى مشاريع فعلية، وهو التحدي الأصعب.

الموقف الصيني.. هدوء محسوب

رد السفارة الصينية جاء دبلوماسياً، مؤكداً على “الدور البنّاء” للصين واستعدادها للتعاون، لكن هذا الخطاب أخفى أن بكين تدرك أن خصومها بدأوا أخيراً في التعامل مع المعادن بوصفها مسألة أمن قومي.

ومن المرجح أن تواصل الصين استخدام نفوذها بحذر، وتجنب التصعيد المباشر، لكنها ستسعى لإفشال البدائل عبر أدوات السوق نفسها وفقاً للتحليلات.

وعلى المدى الطويل قد يحدث تراجع تدريجي للهيمنة الصينية، لا انهيارها، وقد تتحول المعادن إلى أحد أعمدة التوازنات الدولية، وينتقل الصراع الأمريكي الصيني من التجارة والتكنولوجيا إلى عمق الأرض.

ويُنظر إلى الاجتماع في واشنطن باعتباره إعلاناً لبداية معركة طويلة على موارد ستحدد شكل الاقتصاد العالمي لعقود، وإذا كانت الصين قد ربحت الجولة الأولى بصبر وتخطيط، فإن الولايات المتحدة تحاول الآن إعادة كتابة قواعد اللعبة بثمن أعلى ووقت أطول ونتائج غير مضمونة.

زر الذهاب إلى الأعلى