الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

حالة طوارئ وأكبر تحول في اليمن.. حضرموت تنهي صمت الخلاف داخل التحالف السعودي الإماراتي

الاقتصاد اليمني | بقش

يشهد اليمن واحدة من أكثر لحظات الصراع تعقيداً منذ انطلاق الحرب عام 2015، فخلال ساعات قليلة من اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025، انتقل المشهد من توتر مكتوم إلى تصعيد سياسي وعسكري وقانوني غير مسبوق، تمثَّل في إعلان حالة الطوارئ، وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات، وفرض حظر جوي وبحري وبري شامل، بالتزامن مع ضربة جوية سعودية على ميناء المكلا، واندلاع مواجهة سياسية علنية بين الرياض وأبوظبي.

وأصدر رئيس المجلس الرئاسي المدعوم من السعودية، رشاد العليمي، قراراً جمهورياً بإعلان حالة الطوارئ ابتداءً من اليوم الثلاثاء ولمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، وحمّل رئيس المجلس الإمارات المسؤولية عن دعم التمرد العسكري من جانب المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، بهدف تقسيم اليمن.

وألزم القرار القوات في حضرموت والمهرة بالتنسيق مع التحالف بقيادة السعودية، والعودة إلى المعسكرات دون اشتباك، وتسليم المواقع لقوات درع الوطن، منح محافظي حضرموت والمهرة كامل الصلاحيات.

كما فرض حظر جوي وبحري وبري شامل على كافة الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة، مع إلزام جميع مؤسسات الدولة بتنفيذ القرار.

انهيار الشراكة مع الإمارات

التطور غير المسبوق كان إعلان العليمي عن إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات. وطالب العليمي القوات الإماراتية ومنسوبيها بمغادرة كافة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة.

ويُفترض أن يُنهي هذا الإعلان رسمياً أي غطاء قانوني لوجود القوات الإماراتية في اليمن، ويكشف انتقال الخلاف من مستوى الخلافات غير المعلنة إلى مواجهة سيادية مفتوحة، في تطورٍ لم يحدث من قبل منذ بدء حرب التحالف في اليمن في 2015.

وتشير وكالة رويترز في تقرير طالعه بقش إلى أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي تحولت من تناغم استراتيجي إلى تنافس ثم تصادم.

ضربة المكلا.. أول اشتباك مباشر

أعلنت السعودية تنفيذ غارة جوية استهدفت شحنة قالت إنها دعم عسكري خارجي للانفصاليين وصلت إلى ميناء المكلا على متن سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي.

وذكر التحالف أنه “في يومي السبت والأحد الماضيين، رصد دخول سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا دون الحصول على التصاريح الرسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف، حيث قام طاقم السفينتين بتعطيل أنظمة التتبع الخاصة بالسفينتين وإنزال كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظات الشرقية لليمن (حضرموت والمهرة) بهدف تأجيج الصراع، ما يُعد مخالفة صريحة لفرض التهدئة والوصول لحلٍ سلمي، وكذلك انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216”.

وكان التحالف السبت الماضي أعلن أنه قرر التحرك عسكرياً ضد انتهاكات المجلس الانتقالي في محافظة حضرموت، استجابةً لطلب من رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي.

السعودية أصدرت اليوم الثلاثاء بياناً اطلع عليه بقش قالت فيه إن أي أي مساس أو تهديد لأمن المملكة الوطني خط أحمر، وشددت المملكة على أهمية استجابة دولة الإمارات لطلب اليمن بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال أربع وعشرين ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن.

السعودية اعتبرت أن “الخطوات التي قامت بها الإمارات تُعد بالغة الخطورة، ولا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن، ولا تخدم جهوده في تحقيق أمن اليمن واستقراره”.

الإمارات ترد.. وتسحب القوات

من جهتها أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن أسفها الشديد لما ورد في بيان السعودية “وما تضمّنه من مغالطات جوهرية حول دور الإمارات في أحداث اليمن”، ورفضت الإمارات الزج باسمها في التوتر الحاصل بين الأطراف اليمنية.

وعبّر البيان عن “استهجان” ما وصفها بالادعاءات بشأن توجيه أي طرف يمني للقيام بعمليات عسكرية تمس أمن السعودية. وأضاف: “نؤكد حرصنا على أمن واستقرار السعودية الشقيقة واحترامنا الكامل لسيادتها وأمنها الوطني”.

وقالت الإمارات إن الشحنة المشار إليها (القادمة من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا) لم تتضمن أي أسلحة، والعربات التي تم إنزالها لم تكن مخصصة لأي طرف يمني، بل تم شحنها لاستخدامها من قبل القوات الإماراتية العاملة في اليمن، وأضافت أنه كان هناك تنسيق عالي المستوى بشأن هذه العربات بين الإمارات والسعودية.

كما قالت إن الوجود الإماراتي في اليمن جاء بدعوة من الحكومة الشرعية وضمن التحالف العربي بقيادة السعودية، واعتبرت أن “التعامل مع التطورات الأخيرة يجب أن يتم بمسؤولية لمنع التصعيد وعلى أساس الوقائع الموثوقة”.

ثم أصدرت وزارة الدفاع الإماراتية بياناً طالعه بقش أعلنت فيه إنهاء ما تبقى من قواتها في اليمن (فرق مكافحة الإرهاب)، ولكن “بمحض إرادتها”، وقالت الوزارة إن هذا الإجراء يأتي في إطار تقييم شامل لمتطلبات المرحلة، وبما ينسجم مع التزامات دولة الإمارات ودورها في دعم أمن واستقرار المنطقة.

وذكرت الدفاع الإماراتية أن قواتها المسلحة أنهت
وجودها العسكري في اليمن عام 2019 “بعد استكمال المهام المحددة ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها، فيما اقتصر ما تبقى من تواجد على فرق مختصة ضمن جهود مكافحة الإرهاب وبالتنسيق مع الشركاء الدوليين المعنيين”.

قراءة أولية للمشهد

يُقرأ المشهد الراهن كتحول بنيوي في مسار الصراع، وانكسار لمنظومة التفاهمات التي حكمت العلاقة بين أطراف الحرب منذ انطلاق التحالف عام 2015.

وكشفت القرارات المتلاحقة التي صدرت عن المجلس الرئاسي، مقرونة بالتحرك العسكري السعودي في ميناء المكلا، أن الأزمة تجاوزت حدود الخلافات اليمنية الداخلية لتصبح صداماً إقليمياً مفتوحاً على الأرض اليمنية.

فاللغة التي استخدمها القرار الرئاسي لم تكتف بالإشارة إلى تمرد عسكري أو اختلال أمني، بل تحدثت صراحة عن أوامر خارجية وفتنة داخلية ومشروع تقسيم، وهو توصيف ينقل الأزمة من مربع الاحتواء السياسي إلى مربع المواجهة الشاملة، كما يشير اقتصاديون إلى أن حالة الطوارئ ليست إجراء إدارياً، بل إعلان أن الدولة ترى أنها في حالة دفاع عن نفسها.

وضمن هذا السياق، جاء قرار إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات ليشكّل لحظة قطيعة تاريخية، ويعلن عملياً نهاية مرحلة كان فيها الوجود الإماراتي جزءاً من مظلة التحالف العربي.

ولا يمكن فصل الانفجار عن مسار طويل من التباينات السعودية الإماراتية التي تراكمت خلال سنوات، فمنذ الانسحاب الإماراتي الجزئي من اليمن عام 2019، واحتفاظها بنفوذ غير مباشر عبر المجلس الانتقالي، بدأ التشقق الهادئ في بنية التحالف.

ومع تصاعد التنافس الاقتصادي والنفطي والدبلوماسي بين الرياض وأبوظبي في ملفات متعددة، تحوّل اليمن تدريجياً إلى ساحة تصادم مصالح، وما حدث في حضرموت، خصوصاً السيطرة على الحقول النفطية، بدا للسعودية تجاوزاً لخطوط حمراء ظلت قائمة حتى اللحظة الأخيرة.

ومثلت الضربة الجوية السعودية في ميناء المكلا نقطة اللاعودة إن جاز التعبير، فهي أول عمل عسكري مباشر يستهدف شحنة مرتبطة، بحسب الرواية السعودية، بدعم قوى انفصالية مدعومة إماراتياً. وفي المقابل، أظهر النفي الإماراتي واتهام الرياض بسوء التقدير حجم التصدع في الثقة بين الطرفين، ولم يعد الخلاف قابلاً للإدارة عبر القنوات الدبلوماسية المغلقة، بل بات صراع روايات ومصالح مكشوفاً، يحمل في طياته احتمالات تصعيد أوسع.

وفي قلب هذا كله، تبرز حضرموت كالعقدة الأكثر خطورة، فالحشود القبلية المطالبة بالحكم الذاتي، ورفض وجود قوات المجلس الانتقالي، وتداخل العامل النفطي مع البعد القبلي والسياسي، تجعل من المحافظة ساحة اختبار حقيقي لوحدة اليمن.

زر الذهاب إلى الأعلى