منوعات
أخر الأخبار

حرب الإنترنت الفضائي: زعيم أمازون يبدأ أول مشروع منافس لستارلينك ومالكه “إيلون ماسك”

منوعات | بقش

في خطوة تصعيدية تعيد رسم خريطة الصراع بين أقطاب التكنولوجيا في الغلاف الجوي، كشف جيف بيزوس، مؤسس “أمازون” و”بلو أوريجن”، عن ورقته الرابحة الجديدة لمنافسة هيمنة إيلون ماسك المطلقة على مدار الأرض المنخفض. المشروع الجديد الذي يحمل اسم “تيراوايف” (TeraWave) لا يستهدف مجرد تزويد المنازل بالإنترنت، بل يطمح لبناء “العمود الفقري” الرقمي للفضاء، مستهدفاً البنية التحتية الحيوية العالمية، في تحدٍ مباشر لشبكة “ستارلينك” التي باتت تسيطر على المشهد.

المشروع الذي ستتولى تنفيذه شركة “بلو أوريجن”، الذراع الفضائية لبيزوس، يخطط لنشر كوكبة ضخمة تتألف من 5,408 أقمار صناعية متطورة وفق اطلاع مرصد “بقش”. وخلافاً للمشاريع السابقة التي ركزت على المستهلك الفرد، حددت الشركة الربع الرابع من عام 2027 موعداً لبدء إطلاق هذه المنظومة التي صممت خصيصاً لخدمة الحكومات، والشركات الكبرى، ومراكز البيانات، مما يشير إلى تحول استراتيجي في تفكير بيزوس نحو السيطرة على قطاع الأعمال (B2B) والقطاع الحكومي (B2G) في الفضاء.

ويأتي هذا الإعلان ليكشف عن استراتيجية مزدوجة لبيزوس؛ فبينما أعادت “أمازون” تسمية مشروعها الاستهلاكي “Project Kuiper” إلى “Leo” في نوفمبر الماضي (والذي يضم 3000 قمر صناعي)، يأتي “تيراوايف” ليكون الذراع “النخبوية” ذات القدرات الفائقة. هذا التقسيم حسب قراءة بقش يعكس إدراكاً بأن المنافسة مع “ستارلينك” تتطلب أكثر من مجرد تغطية، بل تتطلب سرعات وقدرات معالجة تتجاوز ما هو متاح حالياً، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على معالجة بيانات الذكاء الاصطناعي.

ثورة “تيراوايف”: سرعات قياسية تستهدف عصب الاقتصاد العالمي

تراهن “تيراوايف” على التفوق التقني النوعي بدلاً من الكمي، حيث تعد الشبكة بتوفير سرعات نقل بيانات فلكية تصل إلى 6 تيرابت في الثانية (Tbps) في أي نقطة على سطح الأرض. ولتحقيق ذلك، تعتمد المنظومة على تقنيات “الاتصال الضوئي المتقدم” (Optical Inter-Satellite Links)، وهي تقنية تستخدم الليزر لربط الأقمار الصناعية ببعضها البعض في الفضاء، مما يخلق شبكة متداخلة (Mesh Network) تسمح بنقل البيانات بسرعة الضوء في الفراغ، متجاوزة سرعة الألياف الضوئية الأرضية بنسبة تقارب 30%.

وحددت الشركة بوضوح جمهورها المستهدف، مشيرة إلى أن النظام “مُحسّن لعملاء المؤسسات ومراكز البيانات والحكومات”. وبدلاً من السعي وراء ملايين المشتركين الأفراد، تهدف “تيراوايف” للوصول إلى 100,000 عميل استراتيجي فقط. هذا النهج يتقاطع مع طموحات “أمازون ويب سيرفيسز” (AWS)، الذراع السحابية لبيزوس، حيث يُتوقع أن تكون هذه الأقمار بمثابة تمديد لمراكز البيانات السحابية في المدار، مما يوفر للجيوش والشركات المالية بنية تحتية آمنة وسريعة الاستجابة بعيداً عن الكوارث الطبيعية أو الاضطرابات الجيوسياسية الأرضية.

وتعكس هذه المواصفات تحولاً في مفهوم الإنترنت الفضائي من مجرد وسيلة لـ”سد الفجوة الرقمية” في المناطق النائية، إلى أداة أساسية في “الاقتصاد الرقمي”. فالسرعات التي يعد بها بيزوس تجعل من الممكن نقل أحجام هائلة من البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو إجراء التداولات المالية عالية التردد (HFT) بين القارات بأقل قدر ممكن من التأخير (Latency)، وهي سوق تبلغ قيمتها مليارات الدولارات وتتوق لحلول تتجاوز الكابلات البحرية التقليدية.

ماسك يحشد “ستارلينك” ودفاعاته التنظيمية

في المقابل، لا يقف إيلون ماسك مكتوف الأيدي أمام هذا التهديد. فشبكة “ستارلينك” التابعة لشركته “سبيس إكس” تحظى بأسبقية هائلة، حيث تمتلك حالياً حوالي 10,000 قمر صناعي في المدار وتخدم قاعدة عملاء تتجاوز 6 ملايين مستخدم. وقد سارع ماسك للتقليل من شأن إعلان بيزوس عبر منصته “إكس” (تويتر سابقاً)، مؤكداً أن الجيل القادم من روابط الليزر الخاصة بـ “ستارلينك” سيتفوق تقنياً وعملياً على سرعات “تيراوايف” المزعومة، في إشارة إلى أن السباق لم يعد على عدد الأقمار، بل على كفاءة نقل البيانات عبر الليزر الفضائي.

المعركة انتقلت أيضاً إلى أروقة الهيئات التنظيمية في واشنطن. ففي يناير الماضي، قدمت “سبيس إكس” ملفاً استراتيجياً إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC)، طالبت فيه بتصنيف أنظمة الأقمار الصناعية كـ “بنية تحتية أساسية” للشبكة العالمية. هذه الخطوة تهدف إلى ترسيخ مكانة “ستارلينك” كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي والبنية التحتية للاتصالات، مما قد يصعب المهمة على المنافسين الجدد في الحصول على التراخيص الطيفية اللازمة، نظراً لازدحام المدارات والمخاطر المتعلقة بالحطام الفضائي.

ويرى المحللون أن ماسك يحاول استباق دخول بيزوس القوي للسوق عبر فرض “أمر واقع”، حيث أن “ستارلينك” بصدد إطلاق الجيل الثالث (V3) من أقمارها الصناعية، والتي تتميز بقدرات توجيه شعاعي وقدرات معالجة تفوق الأجيال السابقة بمراحل. الصراع هنا ليس تجارياً فحسب، بل هو صراع نفوذ، حيث يسعى كل طرف ليكون “بوابة الإنترنت” للعالم، مما يمنحه نفوذاً جيوسياسياً هائلاً يتجاوز حدود الشركات التقليدية.

الرؤية المستقبلية: مراكز بيانات تسبح في الفراغ

يتجاوز طموح “تيراوايف” و”ستارلينك” مجرد توفير الاتصال، ليصل إلى ما يُعرف بـ “الحوسبة المدارية”. وحسب تتبع بقش، فإن قادة التكنولوجيا في وادي السيليكون، بمن فيهم سندر بيتشاي، الرئيس التنفيذي لـ “غوغل” (ألفابت)، باتوا مقتنعين بأن مراكز البيانات التقليدية ستواجه قيوداً هائلة على الأرض بسبب استهلاك الطاقة والتبريد. وفي هذا السياق، صرح بيتشاي بأن فكرة نقل مراكز البيانات للفضاء “قد تبدو مجنونة”، لكنها الحل المنطقي الوحيد لتلبية النهم العالمي لقدرات الحوسبة، خاصة مع ثورة الذكاء الاصطناعي.

جيف بيزوس، ومن خلال “تيراوايف”، يضع حجر الأساس لهذه الرؤية، متوقعاً انتقال مراكز البيانات فعلياً إلى الفضاء خلال 10 إلى 20 عاماً، مستفيداً من الطاقة الشمسية غير المحدودة والبيئة الباردة للفضاء لتقليل تكاليف التشغيل. هذا التصور يتناغم مع رؤية ماسك الذي ناقش داخلياً فكرة تشغيل مراكز بيانات فضائية تتم صيانتها وإدارتها بالكامل بواسطة روبوتات “تسلا أوبتيموس”، مما يلغي الحاجة للعنصر البشري في تلك البيئة القاسية.

وفي أكتوبر الماضي، ألمح ماسك إلى أن أقمار “ستارلينك V3” المجهزة بروابط ليزر عالية السرعة هي الخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف وفق مراجعة بقش. إذ ستتحول الأقمار الصناعية من مجرد “مرايا” تعكس الإشارة، إلى “خوادم طائرة” تعالج البيانات في الفضاء قبل إرسالها للأرض (Edge Computing in Space). هذا التحول يعني أن الشركة التي تملك أكبر شبكة وأسرع روابط ليزر ستكون هي المسيطر الفعلي على مستقبل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية عالمياً.

يمثل إطلاق مشروع “تيراوايف” نقطة تحول مفصلية في استراتيجية جيف بيزوس الفضائية، حيث ينتقل من موقع “اللاحق” الذي يحاول تقليد نجاحات ماسك، إلى موقع “المنافس المبتكر” الذي يستهدف شريحة سوقية مختلفة وأكثر ربحية (الشركات والحكومات). ومن خلال دمج قدرات “تيراوايف” مع إمبراطورية “AWS” السحابية، يحاول بيزوس تقديم حل متكامل لا يستطيع ماسك -الذي يركز على الاتصال الخام- تقديمه بنفس السهولة حالياً، مما قد يعيد التوازن لسوق الفضاء الذي مال طويلاً لصالح “سبيس إكس”.

ومع ذلك، تبقى التحديات التقنية والتنظيمية هائلة. فإطلاق أكثر من 5000 قمر صناعي وتشغيل شبكة ليزر بـ 6 تيرابت في بيئة مدارية تزداد ازدحاماً ليس بالأمر الهين. المستقبل القريب لن يشهد فقط منافسة على الأسعار، بل صراعاً على المعايير التقنية وبروتوكولات الإنترنت الفضائي. الفائز في هذا الصراع لن يكون مجرد مزود خدمة إنترنت، بل سيتحكم في الشريان الرقمي الذي سيغذي اقتصادات الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية للقرن الحادي والعشرين.

زر الذهاب إلى الأعلى