حروب بالقروض من جيوب الأمريكيين: فاتورة تدخلات أمريكا العسكرية تتجاوز 8 تريليونات دولار

الاقتصاد العالمي | بقش
تصل الفاتورة الإجمالية للحروب والانتشارات العسكرية الأمريكية خلال العقدين الأخيرين، والتي جرى تمويلها عبر الاقتراض، إلى 8 تريليونات دولار أو أكثر، وفق تقرير جديد اطلع عليه “بقش” من وكالة “بلومبيرغ”، وهو رقم اعتُبر خطيراً ويعكس تغيراً عميقاً في طريقة تمويل الحروب مقارنة بالماضي، كما يضع دافعي الضرائب أمام التزامات طويلة الأمد.
واستعاد تقرير بلومبيرغ تجربة الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية، حين شدد على رفع الضرائب لتمويل المجهود الحربي، بهدف تجنّب إغراق الأجيال اللاحقة في الديون، وفي المقابل تبنّت أمريكا في العقود الأخيرة نهجاً مختلفاً، إذ لجأت بشكل واسع إلى “الاقتراض” لتغطية نفقات تدخلاتها الخارجية، ما أدى إلى تضخم الدين العام بصورة غير مسبوقة.
وبينما كان الهدف في السابق توزيع الكلفة على المجتمع بشكل مباشر عبر الضرائب، أصبح العبء اليوم مؤجلاً، يُرحَّل إلى المستقبل من خلال سندات الخزينة وخدمة الدين المتراكمة.
انتشار عسكري مكلف في أكثر من ساحة
توقّف التقرير عند أمثلة حديثة توضّح حجم الإنفاق الجاري، ففي منطقة الكاريبي بلغت كلفة الانتشار العسكري الأمريكي قبالة فنزويلا نحو 31 مليون دولار يومياً، بعد نشر أكثر من 15 ألف جندي إلى جانب مجموعة حاملة طائرات تضم مدمرات وطرادات وطائرات مقاتلة وفق قراءة بقش، وإذا استمر هذا المستوى من العمليات، فإن الفاتورة السنوية قد تتجاوز 11 مليار دولار.
وفي الشرق الأوسط، عززت واشنطن وجودها قرب إيران بإرسال مجموعة حاملة طائرات إضافية، بكلفة تُقدَّر بنحو 8 ملايين دولار في اليوم الواحد، أي قرابة 2.9 مليار دولار سنوياً، كما أن العمليات العسكرية التي نُفذت ضد إيران وحلفائها في يونيو 2025 كلّفت – وفق تقديرات أكاديمية – ما لا يقل عن ملياري دولار إضافية.
هذه الأرقام تقول إن مجرد تحريك القطع البحرية والطائرات والقوات في الخارج بات يستنزف مليارات الدولارات سنوياً، حتى دون الدخول في حرب شاملة.
كذلك، هناك كلفة السيناريوهات المحتملة التي طُرحت في النقاشات السياسية، ففي حال توجيه ضربة عسكرية واسعة لإيران، فإن الإنفاق قد يرتفع بشكل كبير مقارنة بكلفة الانتشار الحالي، مع ما يرافق ذلك من تبعات لوجستية وعسكرية طويلة الأمد.
أما الجدل الذي أثير بشأن إمكانية فرض سيطرة أمريكية على جزيرة “غرينلاند” التابعة للدنمارك والمستقلة إدارياً، فقد قدّرت تقييمات داخلية أن كلفة الاستحواذ المحتملة قد تصل إلى 700 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أرباع ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، دون احتساب التزامات الإدارة والبنية التحتية والأمن على المدى الطويل.
دروس العراق: الفجوة بين التقدير والواقع
يسلط التقرير الضوء على تجربة غزو العراق عام 2003، إذ تقدّم هذه التجربة مثالاً صارخاً على الفارق بين التقديرات الأولية والتكلفة النهائية.
ففي البداية، قُدّرت نفقات الحرب بنحو 50 مليار دولار، لكن الدراسات اللاحقة رفعت الرقم إلى نحو 4.5 تريليونات دولار حسب اطلاع بقش، وعند احتساب تكاليف الرعاية الصحية للمحاربين القدامى وخدمة الدين المرتبط بتمويل الحرب، تقفز الفاتورة الإجمالية إلى حدود 8 تريليونات دولار.
ويؤكد هذا التضخم في الكلفة أن الإنفاق العسكري لا يقتصر على العمليات الميدانية، بل يمتد لعقود عبر برامج رعاية الجنود، وتعويضات المصابين، وفوائد القروض التي موّلت الحرب.
دَين عام عند مستويات تاريخية
تزامن تمويل الحروب بالاقتراض مع قفزة هائلة في الدَّين السيادي الأمريكي، فمع بداية حرب العراق كان الدَّين العام يبلغ نحو 3.7 تريليونات دولار، أي ما يعادل 33% من الناتج المحلي الإجمالي، وبحلول نهاية عام 2025، تجاوز الدَّين 38.5 تريليون دولار، أي نحو 122% من حجم الاقتصاد الأمريكي حسب تقارير بقش.
ورغم أن الولايات المتحدة استفادت طويلاً من مكانة سندات الخزينة كملاذ آمن للمستثمرين حول العالم، فإن تصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع الدولار خلال العام الماضي أثارا تساؤلات حول استدامة هذا النموذج، خاصة إذا ما بدأت بعض الدول أو الصناديق بإعادة تقييم حجم انكشافها على الأصول الأمريكية.
ولا تتوقف فاتورة الحروب عند حدود العمليات العسكرية، بل تمتد إلى تأثيرات أوسع على الاقتصاد الكلي، من ارتفاع خدمة الدين إلى مزاحمة الإنفاق الدفاعي لبنود اجتماعية وتنموية أخرى.
ومع استمرار النقاش في واشنطن حول أولويات السياسة الخارجية، برز سؤال جوهري حول قدرة أكبر اقتصاد في العالم على مواصلة تمويل حضوره العسكري العالمي عبر الديون، دون أن يواجه تداعيات مالية وسياسية أعمق.


