حكومة عدن تراهن على النقل الجوي في بيئة خطرة: خفض للتذاكر وشراء طائرات جديدة ورحلات أكثر

الاقتصاد اليمني | بقش
تشير تصريحات إعلامية أخيرة لوزير النقل بحكومة عدن المعيّن حديثاً “محسن حيدرة العمري” إلى تحركات تركز على صناعة النقل، وبالتحديد الجوي، معلناً عن حزمة إجراءات تشمل مراجعة أسعار تذاكر الطيران، وتوسيع أسطول الناقل الوطني، وتحديث المطارات والموانئ، في محاولة لإعادة تنشيط قطاع حيوي تضرر بشدة جراء الحرب والصراعات المتلاحقة.
العمري، وهو واحد من الوزراء الجدد ضمن حكومة عدن الجديدة الموسّعة المؤلفة من 35 وزيراً والتي تحظى بدعم من السعودية، قال في تصريحاته التي تابعها مرصد “بقش”، إن نتائج لجنة مراجعة أسعار تذاكر الطيران ستُعلن الأسبوع المقبل، وإن الأسعار الحالية تم تركيبها في ظل ظروف صعبة وسيئة حين صُنّف اليمن بلداً عالي المخاطر، ما انعكس على كلفة التأمين والتشغيل وأسعار التذاكر.
وأشار إلى أن الوزارة وجّهت الهيئة العامة للطيران المدني بتوحيد الأسعار بين الشركات العاملة، بما فيها الخطوط الجوية اليمنية، مع فتح الباب أمام دخول شركات جديدة لتعزيز المنافسة. وبدا هذا التوجه بمثابة توضيح بأن الاحتكار أو محدودية العرض في سوق يقل فيه عدد الطائرات يرفع الكلفة على المسافرين.
وحالياً، تعمل إلى جانب شركة الخطوط الجوية اليمنية “ثلاث شركات خاصة” وفقاً للوزير، إحداها بدأت بالفعل تشغيل رحلات إلى القاهرة، مع توقع دخول شركة رابعة قريباً، إضافةً إلى إمكانية تشغيل شركات من دول الجوار عبر مطارات عدن وبعض المطارات الدولية الأخرى.
شراء طائرات من “إيرباص”
الوزير كشف عن توقيع اتفاقيات مع شركة “إيرباص” الأوروبية، لشراء 8 طائرات حديثة من طراز A320 وA321، على أن يبدأ سداد الأقساط في 2028، ويتم استلام الطائرات ابتداءً من مطلع 2031 وفق جدول التصنيع.
وحسب اطلاع بقش، هناك خطة لتعزيز الأسطول على المدى القريب بإدخال طائرة إضافية خلال الأشهر المقبلة، وأخرى متوقعة نهاية 2026، إلى جانب طائرة خامسة مطلع مايو. ووفق خطط سابقة، تشمل التوسعة المستقبلية طائرات A320neo وA321neo وA330، بما يعيد بناء أسطول متوسط وطويل المدى.
وتحدّث العمري عن أن قطاع الطيران اليمني تكبّد خسائر جسيمة خلال العامين الماضيين، مشيراً إلى احتجاز أربع طائرات في يونيو 2024، ثلاث من طراز A320 وواحدة A330، قبل أن تتعرض للتدمير في مايو 2025 جراء ضربات جوية إسرائيلية على مطار صنعاء الدولي، ما أدى إلى خروجها من الخدمة بالكامل وخسارة أصول استراتيجية كانت تمثل نصف القدرة التشغيلية تقريباً.
كما اتهم العمري حكومة صنعاء بتجميد أموال لشركة اليمنية تتجاوز 120 مليون دولار في بنوك صنعاء، وأكد أيضاً عدم وجود ضمانات حكومية وتمويل سيادي مباشر، الأمر الذي جعل الشركة تعتمد على تمويلها الذاتي في بيئة مرتفعة المخاطر، مع ارتفاع تكاليف التأمين والصيانة والتشغيل.
وحالياً يعتمد الأسطول التشغيلي على أربع طائرات من طراز A320 تتمركز في عدن، وهو عدد رآه الوزير غير كافٍ لتغطية احتياجات سوق يضم نحو 42 مليون نسمة من سكان اليمن، بينهم مرضى وطلاب ومغتربون ورجال أعمال يعتمدون على السفر الجوي كوسيلة شبه وحيدة للتنقل الدولي.
توسيع شبكة الرحلات والموانئ
شهد فبراير 2026 حسب متابعات بقش تدشين أول رحلات دولية مباشرة من سقطرى إلى جدة بواقع رحلتين أسبوعياً، إلى جانب إطلاق رحلات من المخا إلى جدة، وفتح خطوط داخلية مثل عدن – عتق، وعدن – الغيضة – سقطرى.
وأفاد وزير النقل بأنه تم تعزيز الرحلات من عدن إلى الرياض وعمان والقاهرة وجدة، مع خطط لفتح وجهات إضافية مثل الدوحة والدمام وصلالة بعد دخول الطائرات الجديدة الخدمة. وتأتي هذه التوسعات في الوقت الذي لا يزال فيه مطار صنعاء الدولي الرئيسي مغلقاً منذ شهر مايو 2025، وهو ما رفضته حكومة صنعاء متهمةً التحالف بقيادة السعودية بعرقلة فتح المطار وإعادة الرحلات.
وعلى صعيد المطارات، تعمل حالياً ثلاثة مطارات رئيسية، هي مطار عدن الدولي، ومطار الريان في المكلا، ومطار سيئون. وتخطط الوزارة، حسب ما ذكره الوزير، لتفعيل مطار الغيضة وتشغيل رحلات إلى صلالة وجدة، ما يمنح المحافظات الشرقية منفذاً مباشراً للأسواق الخارجية.
أما في قطاع الموانئ، فقد أُدرجت خطط توسعية ضمن برنامج الحكومة لعام 2026 تشمل مؤسسات موانئ البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، ومن المنتظر تدشين خطة لتوسعة مداخل ميناء عدن خلال أيام، في خطوة تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية وتقليل زمن الانتظار.
كما يجري العمل على مشروع ميناء “قرمة” في سقطرى بدعم كويتي أُقر منذ 2009، بعد إزالة عوائق سابقة، إلى جانب البحث عن تمويل لميناء “بروم”. وفي المقابل، ذكر العمري أن موانئ الشحر وقنا ونشطون ورأس العارة أُغلقت مؤقتاً بسبب غياب الجهات المختصة ومنعاً للتهريب، إلى حين استكمال الربط الإداري والأمني.
وبينما تشير تصريحات الوزير إلى مساعٍ لتقديم القطاع اللوجستي كقاطرة تعافٍ اقتصادي في مرحلة ما بعد الصدمات العسكرية، يبدو أن نجاح هذه الخطط يرتبط بعوامل عدة أبرزها الاستقرار الأمني الذي يُعد مهدداً في الوقت الراهن وفق تناولات بقش خصوصاً مع استمرار المجلس الانتقالي في التحشيد الشعبي في شوارع عدن رفضاً لإقصائه. كما ترتبط الخطط المعلَن عنها بتوافر التمويل، وضمانات الاستثمار، وتنسيق السياسات المالية والنقدية، وهو ما يراه اقتصاديون يتطلب خططاً مستقلة بحد ذاتها، وسط تعقيدات الوضع الاقتصادي.
الرهان على تحديث الأسطول الجوي وتوسيع الموانئ عبّر عن رغبة في أن يشكّل قطاع النقل في المرحلة القادمة بنية تحتية استراتيجية تؤثر في كلفة الغذاء، وتدفقات العملة الصعبة، وحركة التجارة، وفرص العمل، وفي حين تبعث اتفاقيات شراء الطائرات واستعادة المنافسة في سوق الطيران إشارات إيجابية، فإن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه الخطط إلى واقع تشغيلي مستدام في بيئة لا تزال محفوفة بالمخاطر.


