حكومة عدن تلجأ إلى التقشف الصارم.. ماذا عن النفقات الضخمة وكشوفات الإعاشة؟

الاقتصاد اليمني | بقش
في خطوة وُصفت بأنها الأكثر تشدداً منذ سنوات، أعلن رئيس وزراء #حكومة_عدن سالم صالح بن بريك بدء تنفيذ حزمة جديدة ومتشددة من الإجراءات التقشفية، تتضمن فرض قيود واسعة على سفر الوزراء وكبار المسؤولين إلى الخارج، في محاولة لاحتواء الانهيار الاقتصادي المتسارع في مناطق سيطرة الحكومة.
ويأتي هذا الإعلان في لحظة اقتصادية يُجمع الخبراء على وصفها بالحرجة، حيث يهدد الجوع ملايين اليمنيين، فيما يواصل الاقتصاد التدهور تحت ضغط توقف صادرات النفط، واستنزاف الاحتياطيات، وضعف العملة، والفوضى المالية والإدارية المستمرة منذ سنوات.
ووفقاً لاطلاع بقش على وكالة رويترز، قال بن بريك إن “التوسع غير المبرر في سفريات الوزراء والمسؤولين للمشاركات الخارجية لن يُسمح باستمراره”، مضيفاً أن المرحلة تتطلب وجوداً حكومياً دائماً وفاعلاً في عدن لتعزيز حضور الدولة.
كما قال: “سيتم تقليص السفر الخارجي إلى أدنى مستوياته، ولا يُسمح بأي مشاركة خارجية إلا عند الضرورة القصوى، وبعد تقييم العائد الوطني منها، وبموافقة مسبقة وواضحة، وفق أولويات الدولة لا أولويات الأفراد”.
وأردف: “نحن ندرك أن الشعب يراقبنا، والتاريخ يسجل كل موقف وكل قرار، ولن نقبل أن تكون هذه الحكومة شماعة للأخطاء أو ذريعة للتقصير. سنظل نقول الحقيقة لشعبنا ونعمل على تغيير الواقع بالحق، لا بالإنكار أو التبرير”.
ملفات مالية ضخمة خارج الحسابات
ورغم الحديث عن الحقيقة وتشدد الإجراءات، إلا أن المتابعين يشيرون إلى أن التقشف يطال السفر الخارجي فقط، بينما تظل ملفات مالية كبيرة أخرى خارج دائرة النقاش العام، رغم أنها تمثل عبئاً يفوق بكثير تكلفة سفر الوزراء.
من بين هذه الملفات ملف الإعاشة الشهرية البالغ حجمها الإجمالي أكثر من 12 مليون دولار شهرياً، تذهب إلى مسؤولي وشخصيات وناشطي وإعلاميي الحكومة في الخارج، إذ لم يتطرق بن بريك إلى كشف الإعاشة الشهرية الذي سبق وتناوله مرصد “بقش” في تقارير سابقة.
كما تجاهل الحديث عن مصروفات المسؤولين في الخارج ورواتبهم وإكرامياتهم بالعملة الصعبة، ولم يُشر إلى ما يتم صرفه من مبالغ لعشرات المسؤولين المتواجدين خارج البلاد، سواء في الرياض أو القاهرة أو أبوظبي أو عمّان، والذين يتلقون رواتب بالدولار، وبدلات سكن، وإكراميات موسمية، ومكافآت مهام، وبدلات سفر دائم حتى أثناء إقامتهم الطويلة خارج اليمن حسب تناولات بقش.
وغياب أي إشارة لهذه البنود الجوهرية يدفع إلى اعتبار التقشف موجّهاً نحو صورة الحكومة إعلامياً أكثر من كونه إصلاحاً مالياً شاملاً.
سياق اقتصادي خانق: انكماش الموارد لأدنى المستويات
وفق تقرير وكالة رويترز، تواجه الحكومة المدعومة من السعودية صعوبات مالية غير مسبوقة في تمويل رواتب القطاع العام، وتشغيل المرافق والبنية التحتية المتهالكة، وتأمين الخدمات الأساسية. ويعود ذلك إلى مجموعة أسباب مترابطة، أبرزها توقف تصدير النفط منذ أكتوبر 2022، ما تسبب في انكماش ميزانية الحكومة بنحو 65 إلى 70%.
وتشمل الأسباب أيضاً تراجع قيمة العملة اليمنية في عدن ومناطق الحكومة، ما أدى إلى تضخم فاحش، وارتفاع أسعار الغذاء بنسبة وصلت إلى 200% في بعض السلع، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين إلى أدنى نقطة منذ الحرب، واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية.
ولا يكفي الاحتياطي المتبقي لدى بنك عدن المركزي لتغطية واردات السلع الأساسية، ورواتب الموظفين، وتمويل نفقات الدولة التشغيلية.
ويؤكد تقرير رويترز أن الحرب التي دخلت عامها الحادي عشر أدت إلى تدمير الاقتصاد وانهيار الخدمات الأساسية واعتماد 80% من السكان (من أصل 35.6 مليون نسمة) على المساعدات. وتشير الوكالة إلى أن الوضع بات من الأسوأ عالمياً، حيث أصبح اليمن واحدة من أكبر مناطق الطوارئ الإنسانية المستمرة في العالم.
هل تكفي إجراءات بن بريك؟
رغم أن قرار تقليص سفر المسؤولين يبدو لوهلة خطوة ضرورية، إلا أن حجم الأزمة أكبر بكثير مما يمكن لهذه الإجراءات الرمزية إيقافه. فإجراءات التقشف غير شاملة، إذ لم تشمل تخفيض الرواتب العالية للمسؤولين، وإلغاء الإكراميات، ومراجعة بدلات السفر، وضبط ملفات الفساد، ومراجعة نفقات الإعاشة الشهرية، وإعادة هيكلة الدعم الخارجي الموجّه للجهات السياسية.
وحتى اليوم لم تُنشر بيانات عن الموازنة العامة، أو تقارير الإنفاق الفعلي، أو بنود الصرف الحكومي، أو كشوفات المساعدات والمنح الخارجية، وهو ما يجعل قرارات التقشف الحالية أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى خطة مالية واضحة وفق تقديرات اقتصاديين.
وحسب تناولات بقش، فإن حكومة عدن لن تتمكن من مواجهة الركود المالي المتزايد، بفعل غياب رؤية اقتصادية شاملة لإنعاش الإيرادات وضبط المنافذ، في الوقت الذي لا يزال فيه القائمون على عدد من المنافذ يرفضون إغلاق الموانئ وفقاً للقرار الرئاسي رقم (11) لعام 2025 كما حدث في المهرة.
ويُنظر إلى أن خطوة الإعلان عن التقشف تحمل رسائل مفادها طمأنة المانحين الإقليميين، وإظهار الالتزام الحكومي بالإصلاح، وإعادة بناء ثقة الشارع، وتحسين صورتها وسط موجة غضب شعبي.
لذا تبقى الإجراءات التقشفية جزئية وغير كافية، وتبدو أقرب إلى محاولة للحد من الانتقادات الشعبية في ظل اقتصاد منهار واحتياطي مستنزف ومجاعة تهدد ملايين اليمنيين، بينما تتطلب المرحلة من الحكومة أن تكون قادرة على مواجهة الأزمة الآخذة في الاتساع، والاتجاه نحو شفافية حقيقية وإصلاحات أعمق تطال جذور الإنفاق الحكومي.


