حين تدخل الحكومة الأمريكية مجالس الشركات.. السوق تضطرب بسبب حصص إدارة ترامب

الاقتصاد العالمي | بقش
خلال ولاية ترامب، تتغير علاقة الدولة بالقطاع الخاص، مع اتجاه الحكومة الفيدرالية إلى تملّك حصص مباشرة في عدد متزايد من الشركات الأمريكية، في خطوة غير مسبوقة خارج سياقات الأزمات المالية الكبرى أو فترات الحروب الشاملة.
حسب المعطيات التي اطلع عليها “بقش” من تقرير لشبكة CNBC الأمريكية، فإن الحكومة الأمريكية باتت تمتلك، أو تعتزم امتلاك حصص ملكية في ما لا يقل عن عشر شركات، معظمها مدرجة في الأسواق المالية، وكان أحدث هذه التحركات الإعلان، في أواخر يناير الماضي، عن استثمار حكومي في شركة “USA Rare Earth” العاملة في مجال المعادن الحيوية، واللافت في هذا التوجّه أنه لا يرتبط بانهيارات مالية أو عمليات إنقاذ تقليدية، بل يأتي في إطار سياسة صناعية نشطة تتبناها الإدارة الحالية.
وتتركز نسبة معتبرة من هذه الاستثمارات في شركات صغيرة ومتوسطة تنشط في قطاعات تُصنّف على أنها استراتيجية، مثل المعادن النادرة وأشباه الموصلات، ومن بينها “MP Materials” و”USA Rare Earth”.
في المقابل، لم تقتصر السياسة على هذا النطاق، بل امتدت إلى شركات صناعية وتكنولوجية عملاقة مثل “US Steel” و”Intel”، ما يعكس اتساع الرهان الحكومي ليشمل مفاصل مركزية في الاقتصاد الأمريكي.
مبررات.. ومخاوف سوقية
تُسوّق الإدارة الأمريكية هذه السياسة على أساس اعتبارات الأمن القومي وتقليل الاعتماد الخارجي، خصوصاً على تايوان في مجال الرقائق الإلكترونية، وعلى الصين في سلاسل توريد المعادن الحيوية، وقد دافع مسؤولون بارزون، بينهم وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الداخلية دوغ بورغوم، عن هذا التوجّه باعتباره ضرورة استراتيجية في عالم يشهد تصاعد التنافس الجيوسياسي والاقتصادي.
لكن هذا المنطق وفق اطلاع بقش لم يُقنع عدداً من الخبراء، الذين يرون أن دخول الحكومة كشريك مباشر في رأس المال يُنتج اختلالات عميقة في ديناميكيات السوق.
سكوت لينسيكوم، الباحث في معهد كاتو، حذّر من أن هذه السياسة تخلق ما وصفه بـ”حاجز غير مرئي” أمام الشركات الناشئة، متسائلاً عن جدوى دخول مستثمرين جدد إلى أسواق يعلمون أن المنافس الرئيسي فيها مدعوم من الدولة الفيدرالية.
ويمثل هذا النهج، من زاوية أيديولوجية، انقلاباً على الإرث الاقتصادي للحزب الجمهوري، الذي قدّم نفسه طويلاً بوصفه المدافع الأول عن رأسمالية السوق الحرة وتقليص دور الدولة.
وتاريخياً، كان تدخل الحكومة عبر التملك المباشر يُبرَّر فقط في حالات استثنائية، كما حدث خلال الكساد الكبير في عهد فرانكلين روزفلت، أو أثناء الأزمة المالية العالمية عام 2008 حين استحوذت إدارة باراك أوباما على حصة في “جنرال موتورز” ضمن خطة إنقاذ مؤقتة.
الفارق الجوهري اليوم، كما تشير الشبكة الأمريكية، هو أن إدارة ترامب لا تتعامل مع هذه الاستثمارات بوصفها إجراءات عابرة، بل كملكية مفتوحة الأجل، من دون إشارات واضحة إلى نية التخارج مستقبلاً، وهذا ما يثير القلق من ترسيخ سابقة قد تُستخدم لاحقاً من إدارات ديمقراطية لتوسيع الاستثمار الحكومي في قطاعات أخرى، مثل الطاقة المتجددة أو البنية التحتية، ولكن وفق أجندات سياسية مختلفة.
غموض قانوني ومخاطر التقاضي
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل يتمثل في الأساس القانوني لهذه الاستثمارات، فبينما كانت المبادرات الديمقراطية السابقة، مثل مقترحات تعديل قانون “CHIPS” أو إنشاء بنك وطني للبنية التحتية، تستند إلى تشريعات صريحة يقرّها الكونغرس، تبدو تحركات إدارة ترامب أقل وضوحاً من هذه الزاوية.
بيتر هاريل، الذي شغل منصباً اقتصادياً رفيعاً في إدارة جو بايدن، يرى أن الحكومة تعتمد عملياً على منطق “ما لا يُمنع صراحةً فهو مسموح”، مستندة إلى موافقة الشركات نفسها على الصفقات، إلا أن هذا الغموض، برأيه، يعرّض الشركات لمخاطر قانونية جسيمة، بما في ذلك دعاوى محتملة من منافسين، فضلاً عن تدقيق سياسي قد يتصاعد في حال تغيّر موازين القوى داخل الكونغرس.
وتعكس تحذيرات بعض الشركات نفسها حجم هذه المخاطر، فقد أقرت “MP Materials”، في إفصاحاتها لهيئة الأوراق المالية والبورصات، بإمكانية تعرّضها لتحقيقات حكومية واستدعاءات برلمانية، إضافة إلى مخاطر التقاضي وتبدّل الأولويات الفيدرالية مع أي تغيير سياسي قادم.
إلى جانب البعد القانوني، يبرز تساؤل اقتصادي حول قدرة الحكومة على اختيار “الرابحين” في السوق. فوفقاً لهاريل ولينسيكوم، فإن أي استثمار حكومي غير موفق قد يؤدي إلى توجيه رأس المال نحو شركات أقل كفاءة، على حساب منافسين أكثر قدرة على الابتكار، كما أن توقّع المستثمرين للشركات التي قد تحظى بدعم حكومي مستقبلاً يفتح الباب أمام مضاربات وتشوهات في تسعير الأسهم.
الأخطر من ذلك، حسب قراءة بقش لأطروحات المنتقدين، هو احتمال تسييس القرارات التجارية، ففي حالة “US Steel”، على سبيل المثال، استخدمت الحكومة ما يُعرف بـ”الحصة الذهبية” للتدخل في قرارات تشغيلية، حيث حال البيت الأبيض دون إغلاق مصنع في ولاية إلينوي لأسباب ذات طابع سياسي واجتماعي، ويرى خبراء أن مثل هذا التدخل يقوّض استقلالية الإدارة ويضر بالمصلحة طويلة الأجل للشركات.
وتؤكد الإدارة الأمريكية أن حصصها في شركات مثل إنتل لا تمنحها حقوق تصويت أو سيطرة إدارية مباشرة، إلا أن منتقدي هذا الطرح يرون أن النفوذ لا يُقاس فقط بالحقوق الرسمية، فمجرد وجود الحكومة كشريك يتيح لها عملياً التأثير عبر القنوات غير الرسمية، سواء من خلال الاتصالات المباشرة أو الإشارات السياسية التي يصعب توثيقها في المستندات.
ويحذّر خبراء من أن إدارات ديمقراطية مستقبلية قد تسعى لاستغلال هذه الملكيات للضغط على الشركات من أجل تبنّي سياسات اجتماعية أو عمالية محددة، مثل فرض قيود على رواتب التنفيذيين أو تعزيز النقابات، ما يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين أمام المستثمرين.
وتكشف سياسة إدارة ترامب عن تغيير في العلاقة بين الدولة والسوق في الولايات المتحدة، تحمل في طياتها وعوداً بتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، لكنها في الوقت نفسه تزرع بذور قلق عميق بشأن حرية المنافسة، وحسن تخصيص رأس المال، ومستقبل الرأسمالية الأمريكية نفسها.


