
الاقتصاد العربي | بقش
في الأشهر الأخيرة، شهدت العلاقات الجزائرية الإماراتية تصعيداً لافتاً، تُوّج بإعلان الجزائر يوم السبت (07 يناير 2026) عن إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقّعة مع الإمارات عام 2013، في خطوة وُصفت بأنها قانونية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها أبعاداً سياسية وإقليمية أوسع.
ولم يُعزل هذا التطور عن سياق متراكم من التوترات، وجاء تأكيداً على تغيرات أعمق في توازنات المنطقة، وعلى اختلاف بنيوي في الرؤى والمواقف، خصوصاً تجاه قضايا حساسة مثل الصحراء المغربية ودور الفاعلين الإقليميين في شمال أفريقيا.
قرار الإلغاء: الإطار القانوني والرسالة السياسية
أعلنت الجزائر رسمياً إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات، استناداً إلى المادة 22 من الاتفاقية، التي تتيح لأي طرف إنهاء العمل بها بعد إخطار الطرف الآخر عبر القنوات الدبلوماسية، مع إبلاغ منظمة الطيران المدني الدولي “إيكاو”. ووفق البيانات الرسمية الجزائرية التي تابعها مرصد “بقش”، فإن الإجراء اتُخذ وفق الأعراف الدولية، دون خرق للالتزامات القانونية.
من الناحية التقنية، لا يعني هذا القرار إيقاف الرحلات الجوية أو غلق الأجواء أو منع السفر بين البلدين في الوقت الراهن، إذ تبقى الاتفاقية سارية خلال فترة الإخطار القانونية. كما أن الرحلات الجوية مستمرة وفق الجداول المعتمدة، وهو ما أكده مختصون في قطاع السياحة والطيران بالجزائر. لكن البعد القانوني، على أهميته، لا يلغي الرسالة السياسية الواضحة التي يحملها القرار، باعتباره أول إجراء عملي مباشر يعكس مستوى التوتر القائم بين البلدين.
وطويلاً كان قطاع الطيران المدني مؤشراً حساساً على طبيعة العلاقات بين الدول، فالاتفاقية الملغاة كانت تنظم حركة الرحلات بين الجزائر والإمارات من حيث عدد الرحلات الأسبوعية، وسعة الطائرات، ونوعية الخدمات، وفق مبدأ التوازن والتكافؤ. وشهدت السنوات الماضية تزايداً ملحوظاً في الطلب على السفر نحو الإمارات، سواء لأغراض السياحة أو العبور “الترانزيت” إلى آسيا، قبل أن تبدأ الخطوط الجوية الجزائرية بتوسيع حضورها المباشر في الأسواق الآسيوية والأفريقية.
اختيار الجزائر هذا القطاع تحديداً لإرسال إشعار الإلغاء لا يبدو اعتباطياً، ويندرج ضمن استخدام أدوات اقتصادية وتقنية لإيصال موقف سياسي، دون الذهاب إلى إجراءات أكثر حدّة قد تفرض كلفة مباشرة على المواطنين أو الشركات.
وكان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، كسر السقف الدبلوماسي المعتاد -في أكتوبر 2025- حين صرّح بأن علاقات بلاده ودية مع جميع دول الخليج باستثناء دولة واحدة، في إشارةٍ إلى الإمارات. واتهم تبون أبوظبي بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، والسعي إلى زعزعة استقرارها، وأكد أن العلاقات مع السعودية والكويت وسلطنة عمان وقطر علاقات “أشقاء”.
وشكلت هذه التصريحات نقطة تحول علنية في مسار العلاقات الثنائية، ونقلت الخلاف من مستوى التوتر غير المعلن إلى مستوى المواجهة السياسية المباشرة، ما مهّد لاحقاً لقرارات عملية مثل إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية.
الرد الإماراتي: هدوء محسوب
في المقابل، جاء الرد الإماراتي -الذي رصده بقش- هادئاً ومدروساً كما يبدو، حيث أكدت الهيئة العامة للطيران المدني في الإمارات أن إخطار الجزائر يندرج ضمن الآليات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية، ولا يترتب عليه أي تأثير فوري على حركة الرحلات. وشددت الهيئة على استمرار العمليات الجوية بشكل طبيعي، وعلى أن التنسيق قائم عبر القنوات الرسمية، بما يضمن احترام الالتزامات الدولية.
هذا الموقف عبّر عن نهج إماراتي يقوم على الفصل بين الخلافات السياسية وبين القطاعات الحيوية المرتبطة بحركة الأفراد والتجارة، كما ينسجم مع خطاب إماراتي أوسع يحاول تجنب التصعيد الإعلامي والدبلوماسي، وهو ما عبّر عنه أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، حين دعا إلى خطاب رصين ومسؤول، وعدم استنزاف العلاقات في سجالات لا طائل منها.
الصحراء المغربية: جوهر التوتر غير المعلن
رغم محاولات تغليف التصعيد الجزائري بخطاب سيادي أو قانوني، تشير غالبية التحليلات إلى أن جوهر الخلاف يرتبط بالموقف الإماراتي الداعم لوحدة المغرب الترابية واعترافها الصريح بمغربية الصحراء. وقد مثّل هذا الموقف نقطة تحول في نظرة الجزائر إلى أبوظبي، باعتباره خروجاً عن الحياد التقليدي الذي كانت الجزائر تتوقعه من بعض العواصم العربية.
فالجزائر، التي تبنّت لعقود طرح جبهة بوليساريو ودافعت عنه سياسياً ودبلوماسياً، ترى في أي دعم عربي أو دولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية تهديداً مباشراً لأحد أهم أوراقها الإقليمية. ومع اتساع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية، وتراجع الزخم الدولي لأطروحة الانفصال، ازداد شعور الجزائر بالعزلة، ما انعكس في مواقف تصعيدية تجاه دول تُصنَّف على أنها منحازة للموقف المغربي.
في هذا السياق، يُقرأ الدعم الإماراتي للأقاليم الجنوبية للمغرب، سياسياً وتنموياً، على أنه كسر لحالة التوازن الإقليمي، وانحياز صريح لمعادلة الاستقرار ووحدة الدول، وهو ما يتعارض جذرياً مع المقاربة الجزائرية القائمة على رعاية نزاع مزمن بات عبئاً سياسياً ودبلوماسياً متزايداً.
ورافقت هذه التطورات حملات إعلامية جزائرية اتسم بعضها بحدة غير مسبوقة تجاه الإمارات، وتجاوز في بعض الأحيان الأعراف الدبلوماسية. في المقابل، بدت أبوظبي محافظة بسياسة ضبط النفس، مكتفيةً بالردود المؤسسية.
يرى مراقبون أن هذا التباين في إدارة الأزمة يعكس اختلافاً في أسلوب السياسة الخارجية لدى الطرفين، فبينما تميل الجزائر إلى التعبير العلني والمباشر عن انزعاجها، تفضّل الإمارات إدارة الخلافات بصمت.
وتبدو الجزائر أمام تحدي إعادة قراءة موقعها الإقليمي، وسط تراجع الدعم الدولي لأطروحاتها التقليدية، واتساع دائرة الدول التي باتت تنظر إلى النزاعات المزمنة باعتبارها عائقاً أمام الاستقرار والتنمية.
الاهتزاز الإماراتي إقليمياً
التوتر مع الجزائر يأتي في سياق ما يمكن وصفها بخسائر أبوظبي الإقليمية، حيث تتراجع في بعض ساحات النفوذ التقليدية، لا سيما تلك التي ارتبطت بتدخلات أمنية مباشرة أو استثمارات ذات طابع جيوسياسي واضح.
ففي اليمن، مثّل إعلان الإمارات إنهاء وجودها العسكري نقطة تحوّل كبرى أفقدتها ساحة استراتيجية لصالح السعودية، وهو ما قلّص هامش المناورة أمامها في ملف معقّد تتداخل فيه المصالح السعودية والإقليمية والدولية.
وفي القرن الأفريقي، يواجه الحضور الإماراتي تحديات متزايدة، خصوصاً في الصومال، حيث أعلنت الحكومة الفيدرالية عن إلغاء الاتفاقيات الأمنية وتلك الخاصة بالموانئ مع الإمارات، على خلفية تهريب رئيس المجلس الانتقالي “عيدروس الزبيدي” عبر ميناء بربرة بإقليم أرض الصومال إلى الإمارات. وتوترت العلاقات مع شركات إماراتية عاملة في قطاع الموانئ، وعلى رأسها مشاريع ارتبطت بـ”موانئ دبي العالمية”، وسط خلافات حول السيادة وتقاسم الصلاحيات بين مقديشو والأقاليم الفيدرالية، وبالأخص بعد اعتراف إسرائيل رسمياً بإقليم صوماليلاند.
الاتجاه العام يعكس حساسية متزايدة لدى دول المنطقة تجاه أي حضور خارجي يُنظر إليه بوصفه تجاوزًا للدولة المركزية أو انحيازاً لأطراف دون أخرى. وفي هذا السياق، تبدو خسائر أبوظبي أقل ارتباطاً بفشل اقتصادي مباشر، وأكثر اتصالاً بتغيّر المزاج السياسي الإقليمي، وصعود خطاب السيادة الوطنية، ما يفرض على الإمارات إعادة صياغة أدوات نفوذها بعيداً عن المقاربات الأمنية الصلبة التي أثبتت كلفتها العالية.
وعودةً إلى إلغاء الجزائر اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات، فإن هذا التطور ليس إلا حلقة في سلسلة التوترات الأعمق، التي تعكس صراع رؤى ومواقف أكثر مما تعكس خلافاً تقنياً. وبين هدوء إماراتي محسوب وتصعيد جزائري متدرج، تتكشف ملامح مرحلة جديدة في العلاقات العربية، حيث باتت قضايا وحدة الدول في مواجهة مباشرة مع مشاريع الانفصال والنزاعات المؤجلة.


