الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

خُمس نفط العالم تحت التهديد.. سيناريوهات وتداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز

الاقتصاد العالمي | بقش

مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، عاد “مضيق هرمز” إلى صدارة المشهد بوصفه أخطر نقطة اختناق في منظومة الطاقة العالمية، فبعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول دراسة توجيه ضربة عسكرية لإيران، تتزايد التقديرات بأن طهران قد تلجأ إلى خيار تصعيدي يتمثل في تعطيل الملاحة عبر المضيق الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والمكثفات والمنتجات البترولية في العالم وفق اطلاع “بقش”، إضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال.

المضيق هو المعبر البحري الأساسي لصادرات السعودية والعراق والإمارات وإيران، فضلاً عن كامل التدفقات تقريباً من الكويت وقطر والبحرين، وتتجه النسبة الأكبر من هذه الشحنات إلى آسيا، ولا سيما الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، لذا فإن أي اضطراب في هذا الممر ينعكس فوراً على مراكز التسعير العالمية، من آسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة.

التقديرات التي اطلع عليها بقش من بلومبيرغ تشير إلى أن إغلاقاً مستمراً قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، مع سيناريوهات تضع السعر قرب 108 دولارات إذا طال أمد التعطل.

ورغم أن إيران لوّحت مراراً بورقة إغلاق المضيق، فإنها لم تُقدم فعلياً على خطوة شاملة، واكتفت في فترات سابقة بمضايقات محدودة للسفن، غير أن السياق الحالي مختلف، فداخل إيران تتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وبيئية، إضافة إلى توتر سياسي داخلي، ما يدفع بعض التيارات المتشددة إلى اعتبار أي ضربة أمريكية تهديداً وجودياً للنظام.

من هذا المنطلق، قد ترى طهران أن الرد الرمزي لم يعد كافياً، وأن عليها إحداث صدمة استراتيجية ترفع كلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها، ويُعد إغلاق المضيق، أو حتى تعطيله جزئياً، الخيار الأكثر تأثيراً، لأنه لا يستهدف الولايات المتحدة مباشرة فحسب، بل يصيب الاقتصاد العالمي بأكمله، ما يخلق ضغطاً دولياً واسعاً لاحتواء التصعيد.

لكن المفارقة أن إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير نفطها، ما يعني أن أي إغلاق طويل سيضر بإيراداتها أيضاً، لذلك تبدو الحسابات الإيرانية قائمة على فرضية أن التعطيل سيكون ورقة ضغط مؤقتة وليست سياسة مستدامة.

أربع أدوات للتعطيل والتصعيد

تمتلك إيران خيارات متدرجة في التعامل مع المضيق، يمكن أن تنتقل بينها بحسب مستوى التصعيد. الخيار الأول هو المضايقات المنظمة، إذ يمكن لزوارق الحرس الثوري السريعة والطائرات المسيّرة أن تلاحق السفن التجارية، وتجري مناورات خطرة، وتفرض عمليات تفتيش مطولة، وهذا الأسلوب لا يغلق المضيق رسمياً، لكنه يرفع المخاطر التأمينية ويزيد تكاليف الشحن، ما يؤدي فعلياً إلى تقليص حركة الملاحة.

والثاني شن هجمات محدودة أو واسعة، قد تشمل إطلاق صواريخ مضادة للسفن أو استخدام طائرات مسيّرة لضرب ناقلات نفط أو سفن عسكرية، ومثل هذه الهجمات قد تشبه من حيث الأثر ما حدث في البحر الأحمر، حيث أدى استهداف السفن إلى تحويل مسارات التجارة وارتفاع كلفة التأمين والشحن.

والثالث الإغلاق المادي للممر، ويتضمن نشر سفن كبيرة أو إقامة طوق بحري يعوق العبور، ويُستشهد هنا بما حدث عام 2021 عندما أغلقت سفينة الحاويات إيفر غيفن قناة السويس لمدة ستة أيام، ما عطّل التجارة العالمية مؤقتاً، لكن تطبيق هذا السيناريو في هرمز سيكون أكثر تعقيداً بسبب الطبيعة العسكرية للممر ووجود قوات دولية فيه.

أما الخيار الرابع فهو زرع الألغام البحرية، وهو خيار عالي الخطورة، إذ يجعل عبور السفن محفوفاً بالمخاطر، ويستدعي عمليات تطهير واسعة قد تستغرق وقتاً، لكنه في المقابل يقيّد حركة إيران نفسها ويعرضها لرد عسكري مباشر.

قدرة واشنطن على إعادة الفتح

من الناحية العسكرية، يُرجح أن أي إغلاق إيراني سيكون مؤقتاً، إذ تمتلك البحرية الأمريكية قدرات متقدمة في إزالة الألغام ومرافقة السفن التجارية، إضافة إلى إمكانية استهداف الوحدات البحرية الإيرانية أو السفن التي تعيق الملاحة.

وقد سبق للولايات المتحدة أن نفذت عمليات مرافقة وحماية لناقلات النفط خلال ثمانينيات القرن الماضي في الخليج، لكن إعادة فتح المضيق لن تكون عملية بسيطة أو رخيصة، حيث تتطلب انتشاراً بحرياً واسعاً، وتحمّل مخاطر اشتباك مباشر قد يتوسع إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وتوجد خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، مثل الخط السعودي الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر، وخط كركوك – جيهان العراقي إلى تركيا، وخط إماراتي يصل إلى الفجيرة، إلا أن القدرة التصميمية لهذه الخطوط لا تغطي سوى أقل من نصف الكميات التي تمر يومياً عبر هرمز، بينما تشير تقديرات تشغيلية إلى أن القدرة الفعلية قد لا تتجاوز خُمس التدفقات.

هذا يعني أن ما يقارب 16 مليون برميل يومياً وفق قراءة بقش قد يواجه صعوبة في الوصول إلى الأسواق في حال الإغلاق الكامل، كما أن خطوط الأنابيب نفسها أهداف ثابتة يمكن استهدافها، ما يجعلها غير محصنة بالكامل.

ولا يقتصر الخطر على النفط. فخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال يعبر المضيق، ومعظمه من قطر إلى آسيا، وأي تعطيل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز في الأسواق الآسيوية والأوروبية، ويضغط على قطاعات الكهرباء والصناعة، خصوصاً في دول تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها.

وخلال العامين الماضيين، أظهرت أسواق النفط قدرة نسبية على امتصاص صدمات إقليمية دون ارتفاعات حادة، لكن مواجهة مباشرة حول مضيق هرمز قد تنهي هذا الفصل بين الصراع العسكري وأسواق الطاقة.

وبينما تراهن طهران على أن تعطيل المضيق ممكن من الناحية العملياتية ومؤلم اقتصادياً، وأن إعادة فتحه ستكون مكلفة ومزعزعة للاستقرار، تعتمد الولايات المتحدة على تفوقها البحري وقدرتها على فرض حرية الملاحة، وبين الرهانين تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب، لأن أي شرارة في هذا الممر الضيق قد تشعل موجة اضطراب تتجاوز حدود الخليج إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

زر الذهاب إلى الأعلى