
الاقتصاد العالمي | بقش
تدفع التقلبات المتسارعة في سياسة الرسوم الجمركية الأمريكية عدداً متزايداً من الدول الأفريقية إلى إعادة النظر في اعتمادها التقليدي على الدولار في تسوية معاملاتها التجارية، في خطوة تؤكد على التحول في أنماط التمويل والتجارة داخل القارة وخارجها.
فوفقاً لتقرير اطلع عليه “بقش” من بلومبيرغ، يؤكد جيريمي أوري، الرئيس التنفيذي لمجموعة “إيكو بنك”، أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالقرارات الصادرة عن البيت الأبيض، خاصة في ما يتعلق بالرسوم الجمركية واتفاقيات التفضيل التجاري، دفعت الشركات الأفريقية إلى دراسة خيارات بديلة، من بينها زيادة استخدام اليوان الصيني أو العملات المحلية في تسوية المدفوعات.
تُظهر البيانات الأمريكية التي قرأها بقش أن حجم التجارة الثنائية بين أفريقيا والولايات المتحدة بلغ 83.4 مليار دولار في 2025، بزيادة تقارب 16% عن العام السابق، ورغم هذا التحسن النسبي يظل الرقم محدوداً مقارنة بحجم التبادل التجاري بين القارة والصين، الذي يقدّر بنحو 315 مليار دولار.
ويعبّر هذا الفارق عن التحول العميق في موازين الشراكات التجارية خلال العقدين الماضيين، حيث أصبحت بكين الشريك التجاري الأكبر للعديد من الدول الأفريقية، في قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، يشير أوري إلى أن القارة “لم تكن بمنأى عن تداعيات قرارات الرسوم الأمريكية”، حتى وإن كان حجم تجارتها مع واشنطن أقل من نظيره مع الصين.
وزاد من حالة القلق انتهاء العمل بقانون قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA)، الذي كان يتيح إعفاء عدد كبير من الصادرات الأفريقية إلى الولايات المتحدة من الرسوم والحصص، ومع إخضاع تجديده لمراجعة سنوية بات المصدرون والمصنّعون في حالة ترقب دائم، ما يضعف القدرة على التخطيط طويل الأجل.
هذا المناخ غير المستقر يعزز، حسب مصرفيين أفارقة، الحاجة إلى تنويع أدوات التسوية المالية وتقليص الاعتماد المفرط على الدولار، خاصة في ظل تقلبات سعر الصرف وارتفاع كلفة التمويل بالدولار على بعض الاقتصادات الناشئة.
اليوان والعملات المحلية كبدائل
المرحلة المقبلة قد تشهد زيادة في التحويل المباشر بين اليوان والعملات الأفريقية، بما يخفف الحاجة إلى المرور عبر الدولار كعملة وسيطة، ويشدد أوري على أهمية تعزيز استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري داخل القارة، باعتباره وسيلة لتقليل الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي.
ولا يقتصر هذا التوجه على القطاع المصرفي فحسب، بل تدعمه أيضاً بعض الحكومات التي تبحث عن آليات لتقليل تعرضها لتقلبات السياسة النقدية الأمريكية.
نيجيريا، على سبيل المثال، اتخذت خطوات لتوسيع استخدام عملتها المحلية في المبادلات الإقليمية، كما عززت تعاونها المالي مع الصين في إطار اتفاقيات مقايضة عملات. كذلك برزت جنوب أفريقيا كأحد أبرز الداعمين لفكرة تقليص الاعتماد على الدولار في المبادلات بين دول بريكس، في حين تعمل دول أخرى مثل كينيا وزامبيا على تعزيز التسويات الإقليمية بالعملات المحلية، خاصة في قطاعات مثل التعدين والطاقة.
وبالتوازي مع البحث عن بدائل للدولار، تتزايد الدعوات لتعزيز التجارة البينية داخل أفريقيا كأداة تحوط من المخاطر الخارجية. فقد بلغت قيمة التجارة بين دول القارة نحو 220 مليار دولار في 2024، ما يمثل قرابة 15% من إجمالي تجارتها، وفق اطلاع بقش على البيانات الدولية المتوفرة.
ورغم أن هذه النسبة لا تزال منخفضة مقارنة بتكتلات اقتصادية أخرى، فإن مبادرات مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) تسعى إلى رفعها عبر إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية وتبسيط الإجراءات الحدودية.
ويستشهد أوري بمصفاة “دانغوتي” في نيجيريا، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 650 ألف برميل يومياً، كمثال على مشاريع يمكن أن تعزز القيمة المضافة داخل القارة، من خلال تكرير النفط محلياً وتصدير المشتقات إلى أسواق أفريقية بدلاً من استيرادها من خارج القارة.
تحديات هيكلية قائمة
مع ذلك، لا يزال تقليص الاعتماد على الدولار يواجه عقبات عدة حسب التحليلات، أبرزها ضعف عمق الأسواق المالية المحلية، وتقلب العملات الأفريقية، والحاجة إلى بنية تحتية مصرفية متكاملة لتسهيل التسويات العابرة للحدود، كما أن العديد من السلع الاستراتيجية، مثل النفط والمعادن، تُسعّر عالمياً بالدولار، ما يجعل التخلي عنه بالكامل أمراً معقداً.
إضافة إلى ذلك، تبقى الحواجز غير الجمركية والبيروقراطية من أبرز معوقات توسع التجارة البينية، وهو ما يتطلب إصلاحات تنظيمية وإدارية متزامنة مع أي تحول نقدي.
ويبدو أن الاتجاه الأفريقي نحو تنويع العملات لا يعني قطيعة فورية مع الدولار، الذي لا يزال العملة المهيمنة في التجارة والتمويل الدوليين، لكنه يؤكد سعياً متنامياً لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على عملة واحدة تستخدمها واشنطن كسلاح جاهز لفرض العقوبات، في ظل بيئة جيوسياسية واقتصادية شديدة التقلب.
القارة الأفريقية في مرحلة إعادة تموضع مالي وتجاري، مدفوعة بتغير موازين القوى الاقتصادية عالمياً، وبالرغبة في بناء قدر أكبر من المرونة في مواجهة الصدمات الخارجية، وبين ضغوط الرسوم الأمريكية وثقل الشراكة الصينية، يتبلور المسار الأفريقي الذي يسعى إلى تنويع الخيارات وتعزيز الاعتماد على الذات، ولو بخطوات تدريجية محسوبة.


