الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

رسوم ترامب المأزومة: رابحون مؤقتون وخاسرون في انتظار الجولة القادمة

الاقتصاد العالمي | بقش

تعيش التجارة العالمية واحدة من أكثر مراحلها ارتباكاً منذ سنوات، بعد أن دخلت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب منعطفاً قضائياً حاداً، ألغت بموجبه المحكمة العليا الأمريكية جانباً كبيراً من تلك الرسوم، بينما سارعت الإدارة إلى إعادة صياغة أدواتها القانونية لفرض تعريفات جديدة، وبين قرار الإبطال ومساعي الالتفاف عليه، تتشكل خريطة جديدة للرابحين والخاسرين، في وقت بدأ فيه سباق قضائي لاسترداد “مليارات الدولارات” من الرسوم المحصلة سابقاً.

وفي 20 فبراير الجاري، قضت المحكمة العليا بعدم قانونية عدد كبير من الرسوم التي فُرضت بموجب “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” (IEEPA)، ما فتح الباب أمام ارتباك قانوني واسع، لكن إدارة ترامب، وفق متابعات بقش، لم تمكث طويلاً قبل أن تتحرك عبر مسار بديل، مستندةً إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، لفرض رسوم بنسبة 10% على جميع الواردات، قبل أن تعلن لاحقاً رفعها إلى 15%.

لكن هذه الصلاحيات مؤقتة، إذ تنتهي بعد 150 يوماً، ما يضع الإدارة أمام سباق مع الزمن لتثبيت مقاربتها أو الانتقال إلى أدوات أخرى، أبرزها التحقيقات الجارية بموجب المادة 232، التي تشمل قطاعات استراتيجية مثل الأدوية وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة والطائرات، كما يبقى خيار المادة 301 مطروحاً، ما يعني أن النصف الثاني من 2026 قد يشهد تقلبات حادة في التعريفات وحركة التجارة.

وتستهدف الإدارة تحصيل نحو 30 مليار دولار شهرياً من الرسوم، بما يعادل 3.5 تريليونات دولار خلال عشر سنوات، في مسعى لتعزيز الإيرادات الفيدرالية وتقليص العجز.

الرابحون في عاصفة الرسوم

رغم الصورة العامة التي توحي بالخسارة الجماعية، يكشف تحليل طالعه بقش صادر عن “أكسفورد إيكونوميكس” أن بعض الدول قد تجني مكاسب نسبية من إعادة ترتيب الرسوم.

البرازيل تبدو الرابح الأبرز، إذ ينخفض معدل الرسوم الفعلي عليها من 17.9% إلى 9.6%، بعد إلغاء رسوم إضافية كانت تبلغ 40%، أما الصين فرغم بقائها في دائرة الاستهداف السياسي، ينخفض معدل الرسوم عليها من 35.2% إلى 27.2%، وهو تحسن رقمي قد لا يترجم إلى طفرة تجارية ملموسة بفعل القيود الأخرى.

وتسجل عدة اقتصادات آسيوية انخفاضات واضحة حسب اطلاع بقش، مثل بنغلاديش من 34.9% إلى 23.9%، وباكستان من 27.7% إلى 23.9%. كما تستفيد المكسيك وكندا بفعل اتفاقهما التجاري مع الولايات المتحدة، إذ تتراجع الرسوم على المكسيك من 9% إلى 8.7%، وعلى كندا من 6.3% إلى 5.3%. وتشهد دول أخرى مثل جنوب أفريقيا والهند وتايلاند تحسناً نسبياً في معدلاتها.

غير أن التقرير يحذر من أن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة، إذ يُتوقع أن تخضع بعض هذه الاقتصادات لتحقيقات جديدة قد تعيد رفع الرسوم في النصف الثاني من العام.

الخاسرون: بين الزيادة والتراجع النسبي

في المقابل، تتضرر دول كانت تتمتع سابقاً بمعدلات منخفضة، لكنها تجد نفسها الآن أمام حد أدنى عالمي يبلغ 15%: بريطانيا ترتفع من 7.9% إلى 9.3%، وأستراليا من 6% إلى 7.6%، وبيرو من 5.1% إلى 6.6%.

وهناك فئة أخرى من الخاسرين نسبياً، لم تتغير رسومها، لكنها فقدت ميزتها التنافسية بعدما حصل منافسوها على تخفيضات، وتشمل هذه الفئة الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وسويسرا.

ولا تعيد التحولات في الرسوم خريطة الدول فقط، بل تمس قطاعات بعينها. فمن المتوقع أن تشهد صادرات الحديد والصلب والمعادن غير الحديدية والقاطرات وعربات السكك الحديدية نمواً نحو السوق الأمريكي، نتيجة انخفاض الرسوم القطاعية عليها.

كما يرجّح حدوث “طفرة استباقية” في الصادرات قبل نهاية يوليو 2026، مع سعي الشركات الأمريكية إلى تسريع طلباتها تحسباً لأي تغييرات قانونية تعيد رفع الرسوم لاحقاً.

سباق استرداد المليارات

إبطال الرسوم قضائياً أطلق معركة أخرى، تتمحور حول من يحق له استرداد الأموال المدفوعة. الحكم لم يحدد آلية واضحة للاسترداد، ما أحال الملف إلى محكمة التجارة الدولية الأمريكية، التي ستبت في نطاق الأهلية والإجراءات. والسؤال الجوهري يتمثل في ما إذا كان الاسترداد سيشمل جميع المستوردين تلقائياً، أم سيقتصر على الشركات التي رفعت دعاوى مسبقاً.

تجاوز عدد الدعاوى المرفوعة 1500 دعوى قبل صدور الحكم، بهدف الحفاظ على حق الاسترداد ضمن المهلة القانونية البالغة 314 يوماً لتصفية الإقرارات الجمركية.

الرسوم المستردة ستُدفع إلى المستوردين، لا إلى المستهلكين النهائيين، ما قد يفتح الباب أمام موجة دعاوى من شركات تحملت الكلفة فعلياً لكنها لا تقع ضمن الفئات المؤهلة رسمياً.

ويزداد التعقيد في الحالات التي جرى فيها “تصفية” الإقرارات الجمركية بالفعل، إذ قد يتطلب الأمر إعادة تصفية بأمر قضائي، كما يبقى غير واضح ما إذا كانت هيئة الجمارك ستنشئ آلية إدارية مباشرة لرد الأموال، أم ستُحال كل حالة إلى القضاء.

ورغم أن صدور حكم المحكمة العليا يمنح الشركات أملاً بإجراءات أسرع، فإن تجارب سابقة – منها نزاعات تعود إلى الولاية الأولى لترامب – تُظهر أن قضايا الرسوم قد تستمر لسنوات. بل إن الرئيس نفسه توقع في مؤتمر صحفي أن تمتد المعركة القضائية “خمس سنوات”، في حال طعنت هيئة الجمارك أو الحكومة في آليات الاسترداد التي قد تعتمدها محكمة التجارة.

وبالنتيجة لا تبدو عاصفة الرسوم محض إجراء تجاري، فهي جزء من معركة سياسية واقتصادية أوسع. الإدارة تسعى إلى تثبيت رواية مفادها أن التعريفات أداة سيادية لحماية الصناعة وجمع الإيرادات، بينما يرى منتقدوها أنها تخلق حالة عدم يقين تؤثر في الاستثمار وسلاسل الإمداد. وما بين الرابحين المؤقتين والخاسرين النسبيين، وبين شركات تسابق الزمن لاسترداد مستحقاتها، تتشكل مرحلة انتقالية قد تعيد رسم قواعد التجارة الأمريكية والعالمية خلال ما تبقى من 2026 وما بعده.

زر الذهاب إلى الأعلى