الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

ركود تضخمي وسخط شعبي ضد حرب ترامب على إيران.. أزمة الطاقة تلتهم جيوب الأمريكيين

الاقتصاد العالمي | بقش

بدلاً من وضع الحلول أمام أزمة الطاقة في أمريكا، دعا وزير الطاقة الأمريكي “سكوت رايت” المواطنين الأمريكيين إلى تحمُّل “الألم القصير الأمد” حسب وصفه، المتمثل في الارتفاع الحاد لأسعار النفط والوقود، التي سجلت زيادة بنسبة 25% فترة قصيرة من الحرب.

وفق اطلاع “بقش”، برَّر “رايت” هذا الارتفاع بضرورة التحرك العسكري الذي اتخذه ترامب لإنهاء “تهديدات طهران” لاستقرار المنطقة، ومنعها من “احتجاز الشرق الأوسط كرهينة” عبر التحكم في أسواق الطاقة العالمية ومضيق هرمز.

وبدا وزير الطاقة الأمريكي متفائلاً بقرب انتهاء الصراع خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وقال إن السوق سيشهد تعافياً في الإمدادات وانخفاضاً في الأسعار فور توقف العمليات القتالية.

هذه التصريحات جاءت في وقت حساس سياسياً، حيث تمثل تكاليف المعيشة والوقود قضية محورية للناخب الأمريكي قبل انتخابات منتصف الولاية المقررة في نوفمبر المقبل، مما يضع وعود ترامب الانتخابية بخفض أسعار الطاقة تحت مجهر الاختبار.

كما تعكس هذه الرؤية استراتيجية واشنطن في إعطاء الأولوية للأهداف العسكرية والسياسية الكبرى على حساب استقرار السوق في المدى المنظور، مع المراهنة على أن “النصر العسكري” سيؤدي إلى وضع اقتصادي أفضل وأكثر استدامة. ورغم طمأنة الوزير، يظل الترقب سيد الموقف في الأسواق العالمية التي بلغت أسعار الطاقة فيها مستويات قياسية لم تشهدها منذ أعوام نتيجة التوترات في هذا الممر الملاحي الحيوي.

كما أن أزمة الطاقة تضع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) في مواجهة تحديات تاريخية، مشابهة لما حدث خلال أزمة النفط عام 1973، مع تهديد مزدوج يتمثل في ارتفاع التضخم وتباطؤ سوق العمل، وهو ما يعرف بـ”الركود التضخمي”.

ارتفاع أسعار الوقود والسخط الأمريكي

وصل خام النفط الأمريكي WTI الأسبوع الماضي إلى 120 دولاراً للبرميل، فيما تجاوز خام برنت 103 دولارات للبرميل، مع زيادة شهرية تجاوزت 50% في الأسعار، بعد أن أسهمت الهجمات الإيرانية على ناقلات النفط ومضيق هرمز في تعطيل نحو 20 مليون برميل يومياً من إمدادات الخليج، ما يمثل نحو خُمس استهلاك العالم من النفط.

في أمريكا، ارتفع متوسط أسعار البنزين إلى 3.70 دولارات للجالون (3.78 لترات)، بزيادة 24% منذ بداية الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وهو أعلى مستوى مسجل منذ مايو 2024 وفق قراءة بقش للبيانات الأمريكية، مع تفاوت السعر بالأساس بين الولايات.

عبّر المواطنون الأمريكيون عن قلقهم الشديد من تأثير هذه الزيادات على ميزانياتهم اليومية، وأكد بعضهم أنهم كانوا يدفعون نحو 40 دولاراً لملء خزان السيارة، أما الآن فيديفعون قرابة 70 دولاراً، أي بفارق 30 دولاراً إضافية كان يمكن إنفاقها لشراء الطعام أو تسديد الفواتير.

ويؤكد الأمريكيون أن هذه الأزمة أثرت بشدة على حياتهم اليومية، فيما يتوقعون ارتفاع الأسعار أكثر، واقتراب سعر الجالون الواحد من مستوى 5 دولارات.

ارتفاع أسعار النفط يرفع أيضاً تكاليف النقل والإنتاج، ويزيد أسعار السلع والخدمات الأساسية، ما يضع ضغوطاً متزايدة على قدرة المستهلكين على الإنفاق. وحسب تقرير اطلع عليه بقش لمكتب إحصاءات العمل، فُقدت 92,000 وظيفة في فبراير الماضي، وارتفع معدل البطالة إلى 4.4%، وسط ضعف سوق العمل وتباطؤ التوظيف نتيجة الضغوط التضخمية.

كما أظهر مسح جامعة ميشيغان تراجعاً في ثقة المستهلكين بنسبة 2%، مع إشارة متزايدة للحرب على إيران كسبب رئيسي لهذا التشاؤم. ويُنظر إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يهدد النشاط الاقتصادي ويزيد من فرص تباطؤ النمو، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الطاقة بشكل مباشر مثل النقل والصناعات التحويلية والزراعة.

المقارنة التاريخية: صدمة 2026 مقابل صدمة 1973

رغم أن الولايات المتحدة اليوم أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم وأقل اعتماداً على الواردات، فإن حجم الاضطراب في أسواق الطاقة هذه المرة أكبر عدة مرات من أزمة 1973، عندما تم تجميد نحو 4.5 ملايين برميل يومياً. فقد توقف اليوم نحو 20 مليون برميل يومياً من إنتاج الخليج نتيجة الحرب، وهو ما يجعل الصدمة أكبر بكثير.

كان البنك المركزي الأمريكي خلال أزمة 1973 قد تبنى سياسة التوقف والبدء المترددة، مما سمح للتضخم بالتمدد في الاقتصاد الأمريكي، لكن الخبراء الحاليين يعتقدون أن السياسة النقدية يجب أن تتعامل بحذر لتجنب تكرار تلك الأخطاء التاريخية، عبر رفع أسعار الفائدة بحذر شديد أو التدخل بأساليب نقدية بديلة تدعم الاستقرار الاقتصادي دون دفع البلاد إلى ركود حاد.

وفي السيناريوهات المحتملة وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي، يُطرح سيناريو قصير الأمد يتمثل في إغلاق مضيق هرمز وأثر الحرب على الإنتاج لـ”فترة قصيرة”، وذلك قد يمكّن مجلس الاحتياطي الفيدرالي من إدارة الأزمة دون آثار اقتصادية حادة.

أما في السيناريو طويل الأمد، إذا استمرت الحرب وارتفعت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل لفترة طويلة، قد يحدث ركود تضخمي يشمل تباطؤ النمو، وزيادة البطالة، وارتفاع التضخم بشكل متزامن، مع انعكاسات طويلة الأمد على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

في الوقت الراهن تذهب تقديرات اقتصادية إلى القول بأن تعطل الإمدادات العالمية أدى إلى زيادة أسعار الوقود بين 35 و40% في البداية، مع تقلبات لاحقة بسبب التصريحات السياسية ومخاوف الأسواق، كما أن محاولات الولايات المتحدة الإفراج عن جزء من مخزونها الاستراتيجي من النفط تهدف لتخفيف الضغط على الأسواق، إلا أن التأثيرات ليست مباشرة إذا استمر الإغلاق لفترة أطول من أسبوعين، ما قد يؤدي إلى زيادات أكبر في الأسعار وانتشار التضخم في السلع والخدمات الأساسية.

النفط والغاز.. أدوات الضغط

ارتفاع أسعار الوقود يؤثر مباشرة على حياة الأمريكيين اليومية، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر، كما يُعد عاملاً مؤثراً في الانتخابات النصفية المقبلة. ومن المتوقع أن تزداد تكلفة النقل وأسعار السلع والخدمات، وهو ما يضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين ويزيد من مخاطر الركود الاقتصادي.

وتشير التحليلات المنشورة إلى أن النفط والغاز أصبحا أدوات ضغط استراتيجية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تؤثر أي تهديدات لممرات الطاقة الحيوية، خصوصاً مضيق هرمز الاستراتيجي، على سلاسل الإمداد العالمية. وقد أدى تعطل الإمدادات بالفعل إلى تباطؤ الشحن، وامتلاء الخزانات، واللجوء إلى خيارات إنتاج أكثر تكلفة مثل خفض الإنتاج أو تعليق التكرير، وهو ما زاد من الاضطرابات التي اكتسحت الأسواق.

وعالمياً، تتأثر الدول الصناعية الكبرى بشكل متوسط إلى شديد نتيجة ارتفاع أسعار النفط، في حين تكون الدول المنتجة أقل تأثراً، ويُعتبر أي تأخير في اتخاذ إجراءات دولية لتخفيف آثار إغلاق مضيق هرمز خطراً يفاقم الأزمات الاقتصادية، ويحوّل الأزمة إلى ركود عالمي طويل الأمد، مع ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي، ما يستغرق سنوات لتجاوزه.

وبينما يراهن البيت الأبيض على “حسم سريع” يعيد أسعار الوقود إلى مستويات منخفضة قبل انتخابات منتصف الولاية، تظل الأسواق العالمية معلقة بمدى قدرة إدارة ترامب على الوفاء بوعودها وتجنُّب انتقال ما تصفه بـ”الألم القصير” إلى مرحلة ركود اقتصادي لا تُحمد عقباه.

زر الذهاب إلى الأعلى