رهان الـ40 مليار دولار: واشنطن تلقي بثقلها التأميني لمحاولة كسر القبضة الإيرانية على مضيق هرمز

تقارير | بقش
في خطوة تعكس حجم الذعر الذي يضرب أسواق الطاقة العالمية، ألقت الإدارة الأمريكية بثقل مالي غير مسبوق لكسر القبضة الإيرانية الفعلية على مضيق هرمز، معلنة مضاعفة ضمانات إعادة التأمين للسفن التجارية لتصل إلى 40 مليار دولار. ووفقاً لاطلاع “بقش” على “بلومبيرغ”، فقد نجحت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) في حشد تحالف تأميني ضخم، بانضمام عمالقة الصناعة مثل “أميركان إنترناشونال غروب” (AIG)، و”بيركشاير هاثاواي”، و”ترافيلرز”، و”ليبرتي ميوتشوال إنشورنس”، إلى جانب شركة “تشب”، هذا التحالف يهدف إلى توفير مظلة مالية قوية لتبديد مخاوف ملاك السفن وتشجيعهم على استئناف رحلاتهم عبر الممر المائي الأكثر حيوية في العالم.
يأتي هذا الإجراء الاستثنائي في وقت يشتعل فيه الخليج العربي بحرب ضروس دخلت أسبوعها الخامس، مما أدى إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً بحرياً في أضيق نقاطه.
هذا الممر الاستراتيجي، الذي يعتبر الشريان الرئيسي لمرور نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، تحول إلى ساحة عمليات عسكرية مفتوحة، حيث تنشر طهران ترسانتها من الطائرات المسيرة، والصواريخ المضادة للسفن، والألغام البحرية، مما أعاد إلى الأذهان حقبة “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، وفرض شللاً تاماً على سلاسل التوريد.
التداعيات الاقتصادية لهذا الإغلاق لم تقتصر على النطاق الإقليمي، بل ضربت عصب الاقتصاد العالمي بشراسة، ففي الولايات المتحدة، قفزت أسعار البنزين لتتجاوز حاجز الـ4 دولارات للجالون للمرة الأولى منذ عام 2022، مما يضع المستهلك الأمريكي تحت ضغوط تضخمية هائلة.
وفي القارة الآسيوية، تقف الهند، ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم ومشتري رئيسي للغاز، على حافة أزمة طاقة خانقة. هذا المشهد الاقتصادي المتردي دفع الإدارة الأمريكية للتحرك العاجل، أملاً في أن تشكل المليارات الأربعين طوق نجاة يعيد الثقة إلى الملاحة التجارية ويخفف من حدة الاختناق العالمي.
تفاصيل الآلية التأمينية ومعضلة الحماية المفقودة
للاستفادة من هذه التغطية التأمينية السخية، فرضت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية قيوداً رقابية صارمة وشفافية مطلقة على السفن المتقدمة للبرنامج. تتطلب الآلية الجديدة إفصاحاً كاملاً عن بلد منشأ السفينة، ووجهتها النهائية، والملاك المستفيدين الحقيقيين ومقار إقاماتهم، إضافة إلى الكشف عن هوية مالك الشحنة والجهات المصرفية المقرضة.
هذه الإجراءات الدقيقة تهدف إلى ضمان عدم تسرب أي تغطية تأمينية لكيانات قد تكون خاضعة لعقوبات، ولتوفير قاعدة بيانات دقيقة للأصول البحرية التي تتحرك تحت مظلة الحماية المالية الأمريكية.
ورغم ضخامة المبلغ المرصود، يواجه هذا المخطط المالي ثغرة عملياتية قاتلة تتمثل في غياب “المرافقة العسكرية” المباشرة. فشركات الشحن البحري تدرك تماماً أن بوليصة التأمين، مهما بلغت قيمتها، لا تستطيع اعتراض طائرة مسيرة انتحارية أو تفكيك لغم بحري يعترض طريق ناقلة نفط.
وكما أوردت “بلومبيرغ” في تحليلها للمشهد، فإن توفير الأموال لا يعادل توفير الحماية لأرواح أطقم السفن، مما يجعل العديد من المشغلين يرفضون المخاطرة ببحارتهم في بيئة معادية، حتى لو كانت الخسائر المادية للسفن وشحناتها مضمونة التعويض بنسبة مائة بالمائة.
في هذا السياق، تبرز الرؤية الواقعية للسوق التي لا تعترف إلا بمعطيات الميدان. وقد لخص بوب ماكنالي، رئيس شركة “رابيدان إنريجي غروب” للاستشارات، هذه المعضلة بتأكيده أن الرغبة التجارية في استئناف إرسال الشحنات عبر مضيق هرمز لن ترتفع، وأسعار التأمين لن تنخفض، إلا بعد إلحاق ضرر هيكلي وإضعاف حقيقي للقدرات العسكرية الإيرانية حسب قراءة بقش. وهذا الرأي يعكس قناعة راسخة لدى الخبراء بأن الحلول المالية وحدها تبقى عاجزة ما لم تقترن بردع عسكري ملموس على سطح الماء.
ترامب مغتاظ.. واقع أسواق التأمين البحري
على الصعيد السياسي، أثار هذا الجمود البحري حفيظة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عبّر عن استيائه العميق من إغلاق المضيق ومن موقف الحلفاء المتردد في تقديم الدعم العسكري اللازم لإعادة فتحه.
وفي منشور له اطلع عليه بقش، ألمح ترامب إلى إمكانية اتخاذ خطوات أحادية حاسمة، مشيراً إلى أنه “مع قليل من الوقت، يمكننا بسهولة إعادة فتح مضيق هرمز والاستحواذ على النفط وتحقيق ثروة”، ورغم خطابه المتلفز الذي تعهد فيه بقرب انتهاء الحرب وتوفير الحماية للسفن، إلا أن التفاصيل العملياتية لهذه التحركات لا تزال غامضة وموضع شك لدى أقطاب الصناعة البحرية.
بعيداً عن التصريحات السياسية، تعيش أسواق التأمين البحري، وتحديداً في العاصمة البريطانية لندن التي تضم كبرى أندية الحماية والتعويض (P&I Clubs)، حالة من إعادة التقييم الجذري لمخاطر الحرب.
وقبل النزاع الحالي، لم تكن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لتمرير سفينة عبر مضيق هرمز تتجاوز 1% من قيمة هيكل السفينة. أما اليوم، ومع تفاقم التهديدات، قفزت هذه النسب بشكل جنوني، حيث يمكن أن تصل تكلفة التأمين لرحلة واحدة لناقلة غاز طبيعي مسال إلى عشرات الملايين من الدولارات، مما يجعل المرور مكلفاً لدرجة تلغي أي جدوى اقتصادية للرحلة إن لم يكن مدعوماً ببرنامج حكومي كالذي تطرحه واشنطن.
النتيجة المباشرة لهذا التضافر بين الخطر العسكري والتكلفة التأمينية الباهظة هي تراجع حركة المرور عبر المضيق بنسب تتجاوز 80% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. المشغلون التجاريون يفضلون إبقاء أساطيلهم راسية في مياه آمنة خارج منطقة الخليج، منتظرين انجلاء غبار المعركة.
ويثبت هذا الشلل الفعلي أن صناعة الشحن البحري، رغم التعهدات الرئاسية والضمانات المليارية، تدير ظهرها للمخاطرات غير المحسوبة، مفضلة الخسائر التشغيلية المؤقتة على كارثة فقدان الأصول والأرواح.
وتمثل الخطوة الأمريكية بضخ 40 مليار دولار محاولة جريئة لشراء الوقت وتخفيف الهلع في أسواق الطاقة، إلا أنها تظل معالجة مالية لأزمة أمنية وعسكرية بامتياز.
التاريخ البحري يؤكد أن المال قد يعوض الخسائر، لكنه لا يؤمّن الممرات المائية؛ فبدون قوة ردع فعلية على الأرض والماء، أو عملية مرافقة بحرية شاملة على غرار “عملية الإرادة الصادقة” (Operation Earnest Will) لحماية الناقلات في الثمانينيات، سيبقى مضيق هرمز رهينة لتوازنات القوى العسكرية المتفجرة في المنطقة.
الأيام القادمة ستضع هذه الاستراتيجية الأمريكية على المحك الفعلي أمام تعنت الواقع الجيوسياسي. وكما تستنتج “بلومبيرغ” ضمنياً فإن استعادة الثقة في مسارات التجارة العالمية لا تُبنى فقط على الأرقام وحجم بوالص التأمين، بل تتطلب إنهاءً حاسماً للتهديدات التي تطال أمن الملاحة ووقف فوري للحرب. حتى ذلك الحين، سيظل العالم يراقب بقلق بالغ مضيقاً يختنق، وأسعار طاقة مرشحة لمزيد من التحليق، واقتصاداً عالمياً يدفع فاتورة حرب لم تُحسم بعد.


