تقارير
أخر الأخبار

زلزال الطاقة: إغلاق حقول النفط والغاز في الخليج وإسرائيل يشعل الأسواق العالمية

تقارير | بقش

في تطور دراماتيكي يعكس اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وردّ طهران عليها إلى موجة إغلاقات احترازية وغير مسبوقة لمنشآت النفط والغاز في السعودية وقطر وإسرائيل، ما أطلق إنذارًا عالميًا في أسواق الطاقة. المشهد لا يتعلق بمواجهة عسكرية فحسب، بل بهزة عميقة تضرب شريان الاقتصاد العالمي الممتد من الخليج إلى أوروبا وآسيا.

قطر، أحد أعمدة سوق الغاز العالمي، أعلنت وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال مؤقتاً وفق اطلاع “بقش” على أحدث المستجدات، في خطوة تعكس حجم المخاطر التي باتت تحيط بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة. وباعتبارها ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالمياً بعد الولايات المتحدة، ومورداً رئيسياً لآسيا وأوروبا، فإن أي اضطراب في صادراتها يترجم فوراً إلى تقلبات حادة في الأسعار وسلاسل الإمداد.

في الوقت ذاته، امتدت التداعيات إلى السعودية وإسرائيل وإقليم كردستان العراق، حيث جرى تعليق عمليات في منشآت حيوية، بعضها نتيجة استهداف مباشر بطائرات مسيرة، وأخرى ضمن تدابير وقائية خشية توسع نطاق المواجهة. وبينما تتصاعد أعمدة الدخان في بعض المواقع، ترتفع مؤشرات الطاقة عالمياً بوتيرة تنذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي.

رأس لفان ومسيعيد.. قلب الغاز القطري تحت التهديد

أفادت شركة قطر للطاقة بأنها تدرس إعلان حالة “القوة القاهرة” على شحنات الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف منشآت في مجمع رأس لفان الصناعي، الذي يضم أكبر خطوط تسييل الغاز في البلاد. هذه المنشآت تمثل العمود الفقري لصادرات قطر، إذ يتم فيها تبريد الغاز إلى درجات فائقة الانخفاض لتحويله إلى سائل قابل للنقل عبر الناقلات البحرية.

الهجمات لم تقتصر على رأس لفان؛ إذ طالت طائرات مسيرة منطقة مسيعيد الصناعية جنوب البلاد، وهي مركز حيوي للبتروكيماويات والصناعات الثقيلة حسب متابعة بقش. ورغم أن المنطقة بعيدة عن الحقول البحرية، فإن استهدافها يبعث رسالة واضحة حول هشاشة البنية الصناعية في زمن الصراعات المفتوحة.

قطر تؤمن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ويذهب أكثر من أربعة أخماس صادراتها إلى الأسواق الآسيوية. لذا فإن أي توقف، حتى لو كان مؤقتاً، ينعكس فوراً على الأسعار، وهو ما ظهر في قفزة قياسية للأسعار الأوروبية قاربت 46% خلال ساعات.

السعودية وكردستان.. النفط تحت ضغط الطائرات المسيرة

في السعودية، أغلقت مصفاة رأس تنورة التابعة لأرامكو السعودية احترازياً عقب تقارير عن استهداف بطائرات مسيرة. المصفاة، بطاقة تصل إلى 550 ألف برميل يومياً، تشكل جزءاً من أكبر مجمع لتصدير النفط الخام السعودي على ساحل الخليج.

رأس تنورة ليست مجرد مصفاة، بل نقطة ارتكاز في منظومة تصدير الطاقة السعودية. أي اضطراب فيها يثير قلق الأسواق بشأن استمرارية الإمدادات، خاصة مع اعتماد عدد كبير من الدول الآسيوية على الخام السعودي مصدراً رئيسياً.

وفي شمال العراق، جرى تعليق معظم إنتاج النفط في إقليم كردستان إجراءً وقائياً. هذا الإقليم يضخ مئات آلاف البراميل يومياً إلى الأسواق العالمية، وأي توقف، ولو مؤقتاً، يعني تضييقاً إضافياً على المعروض العالمي في لحظة توتر قصوى.

إسرائيل ومضيق هرمز.. الخطر يتجاوز الحدود

أعلنت إسرائيل تعليق العمل في عدد من حقول الغاز البحرية الكبرى، من بينها حقل ليفياثان، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية. هذه الحقول لا تغذي السوق المحلية فحسب، بل تشكل ركيزة لصادرات الغاز إلى مصر التي تعيد بدورها تصديره في صورة غاز مسال إلى أوروبا.

تعليق الإنتاج الإسرائيلي يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى سوق الغاز في شرق المتوسط، الذي كان يُنظر إليه خلال الأعوام الماضية بديلاً استراتيجياً للغاز الروسي بعد حرب أوكرانيا. اليوم، يجد هذا البديل نفسه في قلب عاصفة جيوسياسية جديدة.

وتكمن الخطورة في أن تعطّل هذه الحقول لا يؤثر على إسرائيل وحدها، بل يمتد إلى شبكة إقليمية من الاتفاقيات التجارية وخطط تنويع مصادر الطاقة الأوروبية، ما يضاعف الضغوط على الأسعار ويزيد حدة المنافسة على الشحنات المتاحة.

مضيق هرمز.. شريان العالم المهدد

يبقى العامل الأكثر حساسية في هذه المواجهة هو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً. فمع تصاعد العمليات العسكرية، تراجعت حركة الملاحة بشكل شبه كامل، ما دفع أسعار النفط إلى القفز بنسبة وصلت إلى 13% وفق تتبُّع بقش متجاوزة 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ مطلع 2025.

المضيق، الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب، لطالما كان نقطة ضغط استراتيجية تستخدمها طهران في أوقات التوتر. وأي تعطيل طويل الأمد لحركة السفن فيه قد يطلق موجة تضخم عالمية جديدة، خاصة في الاقتصادات الصناعية المعتمدة على واردات الطاقة.

التاريخ الحديث يثبت أن مجرد التهديد بإغلاق هرمز يكفي لإشعال الأسواق، فكيف إذا اقترن ذلك بإغلاقات فعلية في منشآت إنتاج رئيسية؟ هنا تتحول الأزمة من مواجهة إقليمية إلى أزمة طاقة عالمية بامتياز.

سوق على حافة المجهول

الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لم تعد حدثاً عسكرياً معزولاً، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة أسواق الطاقة على الصمود، فإغلاق الحقول والمنشآت، وتعطيل الشحن البحري، وارتفاع الأسعار الحاد، كلها مؤشرات على أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين.

السؤال الآن لا يتعلق بمدة الإغلاقات فحسب، بل بمدى اتساع رقعة الصراع. فإذا استمرت المواجهة، قد نشهد إعادة رسم لخريطة تدفقات الطاقة العالمية، وتسارعًا في خطط التنويع والاحتياطيات الاستراتيجية. أما إذا جرى احتواء التصعيد سريعاً، فقد تبقى هذه الهزة مجرد إنذار قاسٍ بما يمكن أن يحدث عندما تشتعل منطقة تمسك بمفاتيح الطاقة العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى