أخبار الشحن
أخر الأخبار

سوق الحاويات العالمي يدخل أكثر أعوامه اضطراباً.. فتح البحر الأحمر ورسوم ترامب تضغط على شركات الشحن

أخبار الشحن | بقش

تدخل صناعة الحاويات العالمية عام 2026 وهي محمّلة بإرث ثقيل من الصدمات المتتالية التي غذّت أرباحها منذ 2020 من دون أن تبني أساسات صلبة تضمن استدامة تلك المكاسب. فقد صنعت الجائحة، وإغلاقات الموانئ، وجنوح السفن، ثم حرب البحر الأحمر سلسلةً من “الصدف المكلفة” التي منحت شركات النقل مستويات أرباح تاريخية، لكنها في الوقت ذاته أخّرت المواجهة الحتمية مع التحديات البنيوية للسوق. واليوم، ومع اقتراب عودة الملاحة عبر قناة السويس وتوسع التعريفات الأمريكية، تبدأ الصناعة الدخول في مرحلة تصحيح مؤلم.

في قلب هذا التحول تكمن حقيقة واحدة: أن الأرباح الاستثنائية التي تدفقت خلال أربع سنوات لم تكن نتاج قوة تشغيلية، بل نتيجة بيئة غير طبيعية صُنعت فيها ندرة السعة وتفاقمت فيها تكاليف البدائل وفق قراءة “بقش”. ولذا، فإن أي عودة إلى طرق التجارة التقليدية ستكشف بسرعة هشاشة السوق عندما تتحول السفن من الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح إلى المسار الأقصر. هذا الانقلاب في تدفقات السعة سيعيد توازن السوق من حالة نقص مفتعل إلى وفرة حادة.

ولا يقف التغيير عند الحدود التشغيلية، فإدارة ترامب تواصل إدخال السوق في دائرة عدم اليقين من خلال إعادة صياغة نظام التعريفات التجاري، وهو ما يضغط مباشرة على الطلب الأمريكي ويقوّض أهم خطوط التجارة بين الشرق والغرب. ومع صدور قرار المحكمة العليا حول قانونية تلك الرسوم قريباً، فإن سوق الشحن يدخل منطقة غامرة تشبه “مرحلة خالية من القواعد” في واحدة من أكبر أسواق الاستهلاك في العالم.

وفي الوقت ذاته، تُظهر بيانات شركات السمسرة العالمية التي جمعها بقش أن الصناعة قد دخلت بالفعل “مرحلة فائض السعة المتسارع”، حيث يقف أكثر من ثلث الأسطول العالمي قيد الطلب، بينما تُنزل أحواض بناء السفن سفناً أكبر من أي وقت مضى. وهنا يبدأ السؤال الأكبر: هل تدخل الصناعة دورة انهيار سعري جديدة بعد سنوات من المستويات القياسية؟

منذ 2020، تحولت الأحداث غير المتوقعة إلى أهم محركات الربحية في صناعة الحاويات. فقد وفّرت الجائحة أرضية لارتفاعات لم يشهدها القطاع في تاريخه، إذ أدى تعطّل الموانئ وانسداد سلاسل الإمداد إلى خلق ندرة حادة في السعة رفعت الأسعار إلى مستوى غير مسبوق. ولم تكن تلك الأرباح ناتجة عن توسع في الطلب الحقيقي، بل عن عجز مفاجئ في قدرة السوق على التحرك.

ثم جاءت أزمة جنوح “إيفر غيفن” في قناة السويس عام 2021، لتعمّق ندرة السعة وتضيف فوضى جديدة في الجداول البحرية، مما دفع شركات النقل إلى تحصيل رسوم إضافية وتعديل أسعار الوقود بشكل انعكاسي. ومع ذلك، بقيت الأزمة حدثاً مؤقتاً، لكنه كشف هشاشة المنظومة اللوجستية العالمية بالكامل.

وفي السنوات اللاحقة، فرضت أزمة البحر الأحمر وما رافقها من هجمات على السفن التجارية واقعاً جديداً أعاد شركات النقل إلى دائرة المكاسب السهلة حسب تقارير بقش. فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح زاد زمن الرحلات وكلفة الوقود وسحب جزءاً كبيراً من الطاقة التشغيلية، وهو ما حافظ على الأسعار مرتفعة رغم تباطؤ الطلب الأمريكي.

لكن هذا النظام القائم على “الاضطراب المربح” كان لا بد أن يواجه النهاية، خصوصاً مع مؤشرات التراجع التدريجي في المخاطر البحرية ووجود خطط جاهزة لدى شركات مثل هاباج لويد وCMA CGM للعودة عبر قناة السويس بمجرد تحسن الظروف الأمنية.

عودة البحر الأحمر وتعريفات ترامب… ضغط مزدوج يعيد رسم السوق

تشير التقديرات التي تتبَّعها مرصد بقش إلى أن استئناف الملاحة عبر قناة السويس سيطلق ملايين الأقدام المكافئة من السعة التي استُوعبت خلال الأشهر الماضية في الالتفاف الطويل عبر رأس الرجاء الصالح. وسيمنح المسار الأقصر قدرة للشركات على إسقاط السفن الزائدة عن الحاجة أو إعادة توزيعها على خطوط أخرى، ما يعمّق فائض الطاقة.

ويزيد الضغط تعقيداً أن الطلب الأمريكي -وهو أكبر محرك لخطوط آسيا – الساحل الغربي- يتعرض حالياً لصدمة ناتجة عن التعريفات الجديدة. فالرسوم التي فرضتها إدارة ترامب خفّضت استيراد السلع الاستهلاكية، وأدت إلى تحولات في سلوك المستوردين، ما قلل من الحاجة إلى سعة النقل في أهم الممرات التجارية.

وفي هذه الأجواء، ينتظر القطاع حكماً قريباً من المحكمة العليا حول قانونية الرسوم، وهي لحظة ستحدد مصير السوق. ففي حال إبطال الرسوم، قد يشهد السوق ارتياحاً مؤقتاً، لكن إدارة ترامب أوضحت بالفعل أنها ستعيد فرض التعريفات بطرق أخرى، ما يضع السوق في دائرة عدم يقين مستمرة.

ولا يقلل هذا الضغط فقط من حجم الشحنات، بل يعيد هيكلة تصميم شبكات الخدمة نفسها، خصوصاً مع انتقال الإنتاج نحو فيتنام والهند وإندونيسيا، وهو ما يدفع شركاتٍ مثل ميرسك وهاباج لويد إلى بناء نماذج “محور وتغذية” جديدة عبر جنوب آسيا.

انهيار الأسعار… وفائض السعة يبلغ مستويات مقلقة

رغم الارتفاعات الطفيفة الأخيرة في أسعار بعض الخطوط، فإن الاتجاه العام يشير إلى تآكل سريع في العوائد. وتُظهر بيانات Xeneta أن أسعار آسيا – الساحل الغربي هبطت 32% خلال شهر واحد فقط وفق اطلاع بقش، رغم زيادة السعة بنسبة 1%. وفي الساحل الشرقي، انخفضت الأسعار 21% بالتزامن مع زيادة السعة 12%.

وفي أوروبا، سجلت أسعار آسيا – شمال أوروبا ارتفاعاً طفيفاً لا يعكس انتعاشاً حقيقياً في السوق، بل يعكس فقط انكماشاً محدوداً في السعة. أما البحر المتوسط، الذي حافظ على ارتفاع الأسعار نسبيّاً، فقد استفاد من انخفاض كبير في المعروض.

أما جذور الأزمة فتتمثل في تراكم السعة الجديدة. فبحسب Braemar، يوجد حالياً أكثر من 1,122 سفينة قيد الطلب، بطاقة تتجاوز 11.4 مليون حاوية نمطية. وتتوقع الشركة أن يصل فائض الطاقة إلى 23% سنوياً خلال الفترة 2026–2030، على أن يبلغ ذروته عند 30% تقريباً في 2029، وهو معدل كفيل بالدفع نحو موجة هدم واسعة للسفن.

ويُرجّح أن تبدأ دورة هدم السفن فعلياً في 2026، خصوصاً مع وجود أكثر من 1,360 سفينة تجاوز عمرها 20 عاماً. ومع هذا المعروض الهائل، تستعد الشركات لواحدة من أكثر الدورات الانكماشية في تاريخ الصناعة.

تحولات جغرافية وصناعية

تسارع عملية تنويع الإنتاج خارج الصين منذ إطلاق الرسوم الجمركية الأولى عام 2018، الأمر الذي أحدث تحوّلاً في أنماط التجارة. ومع ازدهار التصنيع في الهند وفيتنام وإندونيسيا، أصبحت الحاجة إلى خدمات متعددة الطبقات أكبر من أي وقت مضى، خاصة مع توسع خدمات “المحور والتغذية” التي تقودها ميرسك وهاباج لويد تحت مظلة تعاون “جيميني”.

وقد أدت هذه التحولات إلى تعزيز الطلب على السفن الصغيرة والمتوسطة التي تعمل في شبكات متكررة حول آسيا، بينما ظلت السفن العملاقة أقل استخداماً في تلك المسارات بسبب قصر المسافات وطبيعة البضائع. ومع ذلك، تشير بيانات MDS Transmodal إلى نمو القدرة داخل آسيا بنسبة 10% سنوياً، وبنسبة 11% مقارنة بعام 2019.

كما تؤثر العودة المرتقبة إلى قناة السويس على أسواق داخل آسيا نفسها. فعندما تتحرر السعة من التحويلات الطويلة، ستتدفق سفن كبيرة نحو الأسواق الثانوية، ما قد يضغط على الأسعار الإقليمية التي ترتفع منذ سبتمبر. ويرى محللون أن أي تدفق سريع للسفن سيؤدي إلى هبوط أسعار آسيا الداخلية إلى مستويات ما قبل 2020.

وفي ظل هذا المشهد، يرجّح خبراء مثل دارون وادي من Dinamar أن التأثيرات السلبية ستظهر أولاً في الأسواق البعيدة مثل غرب أفريقيا وأمريكا الجنوبية، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى الأسواق داخل آسيا. وهذا يعني أن الضغط على الأسعار قد يكون أبطأ من المتوقع لكنه في النهاية سيصل.

يدخل قطاع الحاويات 2026 تحت ضغط ثلاثي: طلب عالمي متباطئ، وفائض سعة حاد، وعودة محتملة إلى مسار البحر الأحمر. ومع غياب محركات نمو واضحة، يبدو أن القطاع يتجه نحو دورة تصحيح ممتدة تتطلب إعادة هيكلة جذرية في الأساطيل وشبكات الخدمة.

ستحتاج الشركات الكبرى إلى اتخاذ قرارات صعبة تشمل التخلص من السفن القديمة، وإعادة تصميم شبكاتها حول توقعات الطلب الجديدة، وتبنّي نماذج تشغيل تعتمد أكثر على المرونة والتكامل الرأسي حسب قراءة بقش. فمرحلة “الأرباح السهلة” التي غذّتها الصدمات الجيوسياسية انتهت، وحلّت محلها مرحلة تتطلب كفاءة تشغيلية وضبطاً صارماً للسعة.

ومع استمرار حالة عدم اليقين التجاري في الولايات المتحدة، وتبدل مسارات الملاحة حول قناة السويس، فإن عام 2026 قد يكون بداية العقد الأكثر تحدياً في تاريخ صناعة الحاويات الحديثة. فالسوق لم يعد يتحمل الفائض، ولا يستطيع تجاهل تحول الإنتاج شرقاً، ولا يملك ترف الركون إلى صدفة جيوسياسية جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى