شلل الشحن.. ناقلات تُستهدف ومئات السفن تتكدس وشركات الشحن توقف العبور من مضيق هرمز
أخبار الشحن | بقش
مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب دخلتها الملاحة البحرية في الخليج العربي، بعدما امتد التصعيد العسكري إلى قلب الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية، ما أسفر عن تضرر ناقلات نفط، وتكدس مئات السفن قبالة مضيق هرمز، واندفاع كبرى شركات الشحن العالمية إلى تعليق أو تحويل مسارات سفنها بعيداً عن المنطقة.
التطورات المتلاحقة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية أعادت إلى الواجهة سيناريوهات إغلاق المضيق أو تعطل تدفقات النفط والغاز، في وقت تمر عبر هذا الممر 20% من صادرات الخام العالمية، خصوصاً من السعودية والعراق والإمارات وقطر وإيران.
ثلاث ناقلات متضررة.. واختناق عند بوابة الطاقة
وفق تتبُّع مرصد “بقش”، تعرضت ثلاث ناقلات على الأقل لأضرار قبالة سواحل الخليج، في سياق الردود الإيرانية على الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل أراضيها، وأشارت المعلومات إلى أن إحدى الناقلات، التي ترفع علم بالاو وتخضع لعقوبات أمريكية، تعرضت لهجوم قبالة شبه جزيرة مسندم في عُمان، ما أدى إلى إصابة أربعة أشخاص.
كما أُصيبت ناقلة النفط الخام “إم. كيه. دي فيوم” التي ترفع علم جزر مارشال بمقذوف أثناء إبحارها وعلى متنها شحنة بالفعل، على بعد نحو 44 ميلاً بحرياً شمال غربي مسقط. وفي حادث منفصل، أبلغت سفينة تجارية محملة بالبضائع عن انفجار في الموقع ذاته تقريباً، بينما تحدثت تقارير طالعها بقش عن تعرض ناقلة ثالثة لأضرار قبالة سواحل الإمارات، إضافة إلى اقتراب حطام اعتراض جوي من ناقلة في ميناء جبل علي.
هذه الحوادث المتزامنة رفعت منسوب القلق في أوساط الشحن البحري، إذ قال مسؤول أمني في رابطة الشحن العالمية إن المخاطر على السفن العاملة في الخليج “ارتفعت بشدة”، محذراً من أن السفن ذات الصلات التجارية الأمريكية أو الإسرائيلية قد تكون أكثر عرضة للاستهداف، وإن كانت المخاطر لا تقتصر عليها وحدها.
بيانات تتبع السفن أظهرت أن أكثر من 200 سفينة، بينها ناقلات نفط وغاز طبيعي مسال، رست في الخليج والمياه المحيطة به، فيما توقفت نحو 150 ناقلة خارج المضيق بانتظار اتضاح الصورة الأمنية، وترسو السفن قبالة سواحل دول رئيسية منتجة للنفط تشمل العراق والسعودية وقطر، بينما توقفت عشرات أخرى على الجانب المقابل من المضيق.
هذا التكدس المفاجئ يضع ضغوطاً مباشرة على سلاسل الإمداد، ويرفع كلفة الشحن البحري، ويهدد بإبطاء تدفقات الخام والغاز إلى آسيا وأوروبا، خاصة إذا طال أمد التوتر.
تزامن ذلك مع إعلان إيران إغلاق الملاحة عبر المضيق الحيوي، مما يهدد بتداعيات عميقة على سوق الطاقة العالمي، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه المضيق في نقل ما يقارب خُمس الاستهلاك النفطي العالمي يومياً.
تحذيرات أمريكية ومخاوف من الشركات
الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأمريكية طالبت السفن بتجنب الإبحار عبر مضيق هرمز وخليج عُمان، وفق متابعة بقش للتصريحات المتلاحقة منذ أمس السبت، مشددة على ضرورة أن تحافظ السفن التجارية التي ترفع العلم الأمريكي أو المملوكة لمصالح أمريكية على مسافة لا تقل عن 30 ميلاً بحرياً من السفن الحربية الأمريكية، لتقليل مخاطر سوء التقدير.
وجرى التحذير أيضاً من احتمال لجوء القوات الإيرانية إلى زرع ألغام بحرية في الممرات الضيقة داخل المضيق، وهو سيناريو لطالما أثير في أزمات سابقة، وكانت تقارير أمريكية قد تحدثت العام الماضي عن تحميل سفن إيرانية ألغاماً بحرية، في مؤشر على استعدادات محتملة لفرض حصار بحري إذا اقتضت الضرورة.
أما رد فعل شركات الشحن الكبرى فجاء سريعاً، فقد أعلنت مجموعة الشحن الدنماركية العملاقة “ميرسك” تعليق مرور سفنها عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، وإعادة توجيه السفن لتدور حول رأس الرجاء الصالح، ما يعني إطالة زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا ورفع التكاليف التشغيلية.
كما أعلنت الشركة تعليق عبور سفنها من مضيق هرمز حتى إشعار آخر، محذرة من احتمال تأخير أو إعادة جدولة الخدمات التي تمر بموانئ الخليج.
من جهتها، قررت شركة الشحن الألمانية “هاباغ لويد” اليوم الأحد تعليق مرور السفن تماماً عبر مضيق هرمز، فيما أبلغت شركة الشحن الفرنسية “سي. إم. إيه سي. جي. إم” سفنها داخل الخليج أو المتجهة إليه بالتوجه إلى مناطق آمنة، وعلقت رحلاتها عبر قناة السويس.
وأعلنت شركة “MSC” العملاقة تعليق جميع حجوزات الشحن إلى الشرق الأوسط مؤقتاً، وأصدرت تعليمات لسفنها بالابتعاد إلى مناطق آمنة حتى إشعار آخر.
هذه القرارات أعادت العالم إلى أجواء اضطراب سلاسل الإمداد التي شهدها خلال العامين الماضيين بسبب توترات البحر الأحمر، لكن هذه المرة في قلب أهم ممر لنقل الطاقة عالمياً.
تداعيات مباشرة على التأمين وأسعار الطاقة
مع اتساع رقعة المخاطر، توقعت مصادر بحرية ارتفاعاً كبيراً في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وكانت سوق لويدز في لندن قد أدرجت إيران والخليج وأجزاء من خليج عُمان ضمن المناطق عالية المخاطر، ما يفرض على السفن دفع أقساط إضافية قبل دخولها تلك المياه.
وتشير تقديرات أولية تابعها بقش إلى احتمال ارتفاع أسعار التأمين على هياكل السفن في الخليج بين 25 و30% على المدى القريب، ما سينعكس مباشرة على كلفة نقل النفط والغاز والسلع.
في المقابل، وافق تحالف “أوبك+” على زيادة إنتاج النفط بمقدار 206 آلاف برميل يومياً اعتباراً من أبريل، في محاولة لطمأنة الأسواق، غير أن متعاملين اعتبروا هذا الإجراء غير كافٍ لتعويض أي اضطراب فعلي في الإمدادات وفق اطلاع بقش على رويترز.
رويترز أيضاً في تقرير منفصل، نشرت أن أسعار النفط قفزت بنسبة 10% لتصل إلى نحو 80 دولاراً للبرميل في التداولات غير الرسمية، وسط توقعات محللين باختراق حاجز 100 دولار نتيجة التصعيد وإغلاق مضيق هرمز.
وحذرت روسيا من اختلالات جسيمة قد تضرب أسواق النفط والغاز العالمية نتيجة إغلاق المضيق، وذلك في أعقاب تعليق الشركات الكبرى لشحناتها.
ويبقى مضيق هرمز في قلب المشهد، فالممر الضيق الذي يفصل إيران عن سلطنة عُمان يُعد عقدة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح الطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية، ومع استمرار العمليات العسكرية تبدو المنطقة أمام امتحان القدرة على تجنب انزلاق شامل قد يحول أزمة عسكرية إلى صدمة تجارية وطاقية عالمية.
وفي الوقت الراهن، لا تزال حركة التوقف أقرب إلى إجراء احترازي واسع النطاق، لكن استمرار التكدس وتعليق العبور من قبل عمالقة الشحن يبعث برسالة مفادها أن أي خطأ في الحسابات أو توسع في نطاق الهجمات قد يدفع الأسواق إلى موجة اضطرابات حادة تتجاوز حدود الخليج لتطال الاقتصاد العالمي بأسره.


