الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

شلل الشرايين البحرية: تأثير الحرب على حركة التجارة يخنق سلاسل الإمداد العالمية ببطء

الاقتصاد العالمي | بقش

لم تقتصر ارتدادات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على القواعد العسكرية أو أسواق النفط كما جرت العادة في أزمات الشرق الأوسط، بل ضربت هذه المرة العصب الحساس للعولمة: شبكات النقل البحري.

فقد كشف تقرير حديث اطلع عليه “بقش”، صادر عن منصة “لويدز ليست” لبيانات الشحن البحري، أنه وفي غضون أيام من التصعيد، تحولت المياه الإقليمية والمضائق الاستراتيجية في المنطقة إلى مناطق محظورة، ما أدى إلى شلل شبه تام في حركة السفن التجارية. هذا الحدث الذي وصفه قادة صناعة الشحن في مؤتمر “TPM26” بالسيناريو الكارثي والأسوأ على الإطلاق، لم يكن مجرد تعثر عابر، بل صدمة عنيفة تعيد رسم خرائط التجارة العالمية وتضع الاقتصاد الدولي أمام اختبار قاسٍ لم يشهده منذ أزمة سلاسل الإمداد إبان جائحة كورونا.

لغة الأرقام تكشف فداحة الخطب؛ فوفق التقديرات الأولية للتقرير، حاصرت هذه الحرب بشكل مباشر ما يقارب 10% من إجمالي أسطول سفن الحاويات العالمي. ورغم أن الأنظار تتجه دائماً نحو ناقلات النفط والغاز عند الحديث عن مضيق هرمز، إلا أن الخسارة المفاجئة لخطوط تجارة الحاويات المتجهة من وإلى الخليج العربي تمثل ضربة قاصمة.

هذه المنطقة لا تستهلك فقط ملايين الأطنان من البضائع، بل تحتضن موانئ محورية مثل “جبل علي” الذي يُعد نقطة ارتكاز (Transshipment Hub) حيوية تربط مصانع آسيا بأسواق إفريقيا وأوروبا، وتوقفه يعني انقطاع شريان رئيسي في جسد التجارة الدولية.

الاستجابة الفورية من قبل كبريات شركات الشحن العالمية، مثل “ميرسك” و”إم إس سي” و”أوشن نتورك إكسبريس” و”هاباغ لويد”، كانت أشبه بالضغط على زر الطوارئ. فقد توالت إعلانات التعليق الفوري لكافة الحجوزات والخدمات المتجهة إلى منطقة الخليج العربي ومحيطها.

لم يكن هذا الانسحاب خياراً تجارياً بقدر ما كان حتمية فرضها الانهيار المفاجئ للغطاء التأميني، والارتفاع الجنوني في رسوم أخطار الحرب، والتهديد المباشر لسلامة الأطقم والسفن، ليجد قطاع الشحن نفسه أمام معضلة التعامل مع ملايين الأطنان من البضائع العائمة التي فقدت وجهتها فجأة.

ارتدادات الزلزال: اختناق الموانئ الآسيوية وأزمة الحاويات الفارغة

أولى التداعيات الكارثية لهذه الحرب بدأت تظهر جلياً بعيداً عن ساحة المعركة، وتحديداً في الموانئ الآسيوية الكبرى. فمع استحالة دخول السفن إلى الخليج العربي، أُجبرت شركات الشحن على تحويل مسار رحلاتها وتفريغ حمولاتها الضخمة في موانئ بديلة غير مجهزة لاستيعاب هذه التدفقات المفاجئة.

موانئ مثل “كولومبو” في سريلانكا، و”موندرا” و”مومباي” في الهند، وصولاً إلى “بورت كلانج” ومحطات سنغافورة، تشهد حالياً حالة من التكدس الخانق والازدحام غير المسبوق حسب متابعة بقش. هذا التكدس يعرقل العمليات التشغيلية، ويحول ساحات الموانئ إلى مستودعات للبضائع المكدسة التي تنتظر مصيراً مجهولاً.

الأزمة لا تقف عند حدود الموانئ المختنقة، بل تمتد لتخلق نقصاً حاداً في “المعدات”، أي الحاويات الفارغة. النظام البحري العالمي يعمل وفق دورة دقيقة؛ فالحاويات التي تفرغ حمولتها في الشرق الأوسط أو أوروبا تعود سريعاً إلى مصانع الصين وجنوب شرق آسيا ليتم إعادة تعبئتها.

تعطل هذه الدورة وتكدس الحاويات في موانئ وسيطة أو بقاؤها عالقة على متن السفن التي تبحر لمسافات أطول، سيؤدي حتماً إلى عجز دراماتيكي في توفر الحاويات في آسيا. الخبراء وفق قراءة بقش يحذرون من أن آثار هذا النقص لن تقتصر على خطوط الشرق الأوسط، بل ستضرب بشراسة الخطوط المربحة عبر المحيط الهادئ (نحو أمريكا) وتجارة آسيا-أوروبا خلال أسابيع قليلة.

وما زاد الطين بلة هو التخلي النهائي والاضطراري عن فكرة العبور عبر البحر الأحمر وقناة السويس. فمع تصاعد حدة الحرب الإقليمية والمخاطر الأمنية المتداخلة، أُجبرت السفن القليلة التي كانت لا تزال تخاطر بالمرور على الاستدارة والعودة إلى طريق “رأس الرجاء الصالح” حول إفريقيا.

هذا التحول الإجباري يضيف أسابيع إلى زمن الرحلة، ويحرق كميات هائلة من الوقود المكلف، والأهم من ذلك أنه يمتص سعة إضافية من الأسطول العالمي الذي بات مطالباً بقطع مسافات أطول لتعويض النقص، مما ينذر بارتفاعات قياسية قادمة في أسعار الشحن العالمية تنعكس تضخماً على المستهلك النهائي.

الشلل التام: معضلة البضائع العائمة وفوضى ما بعد النزاع

في قلب العاصفة، تواجه خطوط الملاحة كابوساً تشغيلياً يتمثل في “البضائع الموجودة بالفعل في المياه”. فالسفن التي غادرت موانئ المنشأ قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتوجهت نحو مضيق هرمز، تجد نفسها الآن محاصرة في مناطق الانتظار الآمنة خارج المضيق، عاجزة عن التقدم أو التراجع.

إدارة هذه البضائع، التي تشمل شحنات قابلة للتلف ومواد خطرة ومستلزمات صناعية حساسة، تتطلب قرارات لوجستية معقدة ومكلفة للغاية، سواء بتفريغها في محطات مؤقتة أو إعادتها إلى مصدرها، وهو ما يربك الخطط المالية للشركات المصدرة والمستوردة على حد سواء.

التصنيفات الملاحية بدأت تتخذ طابعاً بالغ القسوة لحماية أصولها؛ حيث أوقفت شركات عملاقة مثل (CMA CGM) الفرنسية شحن البضائع المبردة والخطرة، في حين أوقفت شركات أخرى الربط المباشر بين إفريقيا والخليج.

هذا الانقطاع يعني تجريد أسواق كبرى من إمدادات حيوية تتصل بالأمن الغذائي والصناعي. علاوة على ذلك، أدى فرض الرسوم الإضافية الخيالية لتغطية مخاطر الحرب إلى جعل أي محاولة استثنائية لإيصال البضائع عملية غير مجدية اقتصادياً، لتصبح المنطقة معزولة تجارياً بقرار من أسواق التأمين قبل أن يكون بقرار عسكري.

وحتى لو افتُرض جدلاً توقف العمليات العسكرية غداً، فإن الكارثة اللوجستية لن تنتهي بانتهاء أصوات المدافع. المحللون الذين رصد بقش تقديراتهم في مؤسسات دولية مثل “إس آند بي جلوبال” يحذّرون من ظاهرة “تأثير السوط” (Bullwhip Effect). فبمجرد إعلان فتح المضائق وتوفر الأمان، ستندفع مئات السفن العالقة والمحولة نحو وجهاتها الأصلية في الخليج في آن واحد. هذا الوصول الجماعي سيصيب الموانئ بشلل فني يفوق قدرتها على التفريغ والمناولة، مما سيخلق موجة ازدحام ارتدادية قد تستغرق ما لا يقل عن ستة أشهر متواصلة لفك طلاسمها وإعادة الجداول الزمنية إلى طبيعتها.

في المحصلة، كشفت الحرب على إيران عن الهشاشة العميقة التي تعتري النظام التجاري العالمي المعاصر. لم تعد الأزمات الجيوسياسية مجرد أحداث معزولة تُقرأ في النشرات الإخبارية، فقد أصبحت قوة قاهرة قادرة على تعطيل المصانع في أوروبا، وإحداث تضخم في أسعار السلع في أمريكا، وتكدس البضائع في موانئ آسيا. وأثبتت هذه الأزمة أن كفاءة شبكات الإمداد التي تم بناؤها لعقود وفق نظام “الإنتاج الموقت” تسقط سريعاً عند أول اختبار للنار.

ومع دخول صناعة الشحن البحري في دوامة من التعديلات الطارئة، سيكون على العالم أن يستعد لفاتورة اقتصادية باهظة، فهذه الاضطرابات ليست مجرد خسائر دفترية لشركات الملاحة، إنما بداية لحقبة جديدة قد تضطر فيها الدول والشركات الكبرى إلى إعادة هيكلة سلاسل إمدادها بالكامل، والبحث عن طرق تجارية أكثر أماناً، وتقليل الاعتماد المفرط على المضائق التي أثبتت الأيام أنها كعب أخيل القادر على إسقاط التجارة العالمية بضربة واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى