صراع الـ170 مليار دولار: شركات ودول تتحرك لاسترداد أموال رسوم ترامب الملغاة والترقب يسود المشهد الدولي

الاقتصاد العالمي | بقش
فجّر حكم المحكمة العليا الأمريكية بإبطال الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، موجةً من الارتباك في الأسواق، فبعد صدور الحكم سارع ترامب إلى إعلان فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15% بدلاً من 10% على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، لمدة 150 يوماً مبدئياً، مستنداً هذه المرة إلى المادة 122 من “قانون التجارة”، في خطوة اعتبرها محللون مؤشراً إلى توجه الإدارة للالتفاف على الحكم القضائي بأدوات قانونية بديلة، ما أعاد الضبابية إلى المشهد التجاري الدولي.
بنفس الوقت، فتح الحكم القضائي الباب أمام واحدة من أكبر معارك الاسترداد المالي في تاريخ التجارة الأمريكية الحديث، مع تقديرات تابعها “بقش” تشير إلى أن ما يصل إلى 170 مليار دولار جُمعت من الشركات قد يصبح موضع نزاع قانوني معقد وطويل الأمد.
وحتى 14 ديسمبر الماضي، كانت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية قد جمعت نحو 170 مليار دولار بموجب الرسوم المفروضة عبر قانون الطوارئ، وبمجرد صدور الحكم تحوّل هذا الرقم إلى محور مواجهة جديدة بين الحكومة والمستوردين، خاصة شركات التجزئة والملابس التي تحمّلت تكاليف ضخمة نتيجة الرسوم على واردات من آسيا، خصوصاً الصين وفيتنام.
ومع ترك المحكمة العليا ملف الاسترداد دون حسم، ستعود القضية إلى محكمة التجارة الدولية الأمريكية لتحديد الخطوات التالية، ما يعني بدء جولة ثانية من النزاع، قد تمتد لفترات طويلة، خصوصاً في ظل تضارب المصالح بين الحكومة الساعية إلى تقليص نطاق الاسترداد، والشركات المطالبة بإعادة كل ما دفعته.
ووفق اطلاع بقش على بلومبيرغ، سارعت أكثر من 1500 شركة إلى رفع دعاوى منفصلة أمام محكمة التجارة الدولية، لضمان موقعها في “طابور” المطالبين بالاسترداد. أما الحكومة فألمحت في مذكرات خطية إلى أنها لن تطعن في سلطة المحكمة بإصدار أوامر بإعادة احتساب الرسوم، لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام محاولة حصر نطاق المستفيدين أو تقييد فئات السلع المشمولة بالاسترداد، ما ينذر بصراع قانوني تفصيلي حول كل شحنة وكل فاتورة.
هذا التطور يأتي في ذروة موسم إعلان أرباح شركات التجزئة الأمريكية، فالعديد من هذه الشركات كان قد احتسب بالفعل تكاليف الرسوم ضمن بياناته المالية، ما ضغط على هوامش الربح وأسعار البيع.
شركة “لولوليمون”، على سبيل المثال، حذّرت سابقاً، في ديسمبر الماضي، من تراجع كبير في هامش الربح الإجمالي بسبب الرسوم الجمركية، ومع صدور الحكم يرى محللون أن بعض الشركات قد تستفيد من “أثر إيجابي غير متوقع” إذا تمكنت من استرداد جزء من الأموال، أو إذا أُعيد احتساب التزاماتها السابقة.
لكن هذا التفاؤل يبقى مشروطاً بسرعة ووضوح الآلية القانونية، فحتى لو أُقرّ مبدأ الاسترداد، قد يستغرق تنفيذ إعادة الأموال سنوات، حسب بلومبيرغ، ما يعني أن الأثر الفعلي على الأرباح والتدفقات النقدية قد يكون تدريجياً ومحدوداً في المدى القريب.
معركة تتجاوز الداخل الأمريكي
تداعيات الحكم لا تقتصر على الشركات الأمريكية، فالدول التي استهدفتها الرسوم تتابع التطورات عن كثب، إذ إن استرداد مليارات الدولارات قد يعيد رسم ملامح العلاقات التجارية الثنائية، ويؤثر على مفاوضات جارية بشأن اتفاقيات جديدة أو معدلة.
ومن المرجح أن تسعى حكومات وشركات أجنبية، عبر فروعها أو شركائها داخل الولايات المتحدة، إلى الانضمام إلى دعاوى الاسترداد أو دعمها، خاصة إذا ثبت أن الرسوم فُرضت دون أساس قانوني سليم.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس رحّب بالحكم، معتبراً أنه قد يخفف الأعباء الجمركية عن الاقتصاد الألماني. وأكد أن برلين ستجري مشاورات مع واشنطن بشأن استرداد الشركات الألمانية مليارات الدولارات التي تكبدتها جراء الرسوم، وأشار ميرتس إلى أن دول الاتحاد الأوروبي ستنسق موقفاً موحداً، وأن سياسة الرسوم الجمركية شأن يخص الاتحاد ككتلة واحدة، لا الدول الأعضاء بصورة فردية.
ورغم أن الحكم منح المستوردين نصراً قانونياً مهماً، فإنه لم ينهِ حالة عدم اليقين في السياسة التجارية الأمريكية، فالإدارة لا تزال قادرة على استخدام أدوات أخرى لفرض رسوم جديدة، ما يحد من قدرة الشركات على التخطيط طويل الأمد.
الردود الدولية بعد الرسوم الجديدة: بين الترقب وإطلاق التهديدات
في آسيا، التي تعد قلب سلاسل الإمداد العالمية، بدأت العواصم الرئيسية تقييم التداعيات الفورية والمحتملة وفق قراءة بقش تقريراً لرويترز، فالقرار القضائي أسقط رسوماً كانت مفروضة على دول مصدّرة كبرى مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان، ما منح متنفساً مؤقتاً لشركاتها، غير أن الرسوم الجديدة بنسبة 15% أعادت الارتباك سريعاً، خصوصاً مع عدم وضوح آليات التنفيذ وتفاصيل الإعفاءات المحتملة.
في اليابان أعلنت الحكومة أنها ستدرس بعناية مضمون الحكم ورد إدارة ترامب عليه، مؤكدة أنها ستتخذ “الرد المناسب” بناءً على التقييم القانوني والاقتصادي للتطورات. ويأتي هذا الحذر في ظل اعتماد الاقتصاد الياباني بشكل كبير على الصادرات الصناعية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والسيارات، ما يجعله شديد الحساسية لأي تغيرات في السياسات الجمركية الأمريكية.
أما الصين، التي تستعد لاستضافة ترامب أواخر شهر مارس المقبل، فلم تصدر تعليقاً رسمياً فورياً بسبب عطلة محلية طويلة، غير أن مسؤولاً مالياً بارزاً في هونج كونج وصف الوضع في الولايات المتحدة بأنه “فشل ذريع”، في إشارة إلى التناقض بين قرار المحكمة وتحرك الإدارة السريع لفرض رسوم جديدة.
ومع استمرار الرسوم الأمريكية على صادرات البر الرئيسي الصيني، تبقى هونج كونج في وضع خاص نسبياً، إذ تتمتع منتجاتها عادة بمعدلات جمركية أقل، ما يسمح لها بالحفاظ على قدر من التدفقات التجارية حتى في ظل تصاعد التوتر بين بكين وواشنطن.
وفي تايوان قالت الحكومة إن التأثير الأولي للرسوم الجديدة يبدو محدوداً، لكنها شددت على مراقبة التطورات عن كثب والحفاظ على اتصال وثيق مع واشنطن لفهم تفاصيل التنفيذ، وتكتسب هذه المتابعة أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع تايوان بوصفها أكبر مُصنّع للرقائق الإلكترونية في العالم، وطرفاً محورياً في سلاسل توريد التكنولوجيا.
وكانت تايوان وقّعت مؤخراً اتفاقيتين مع الولايات المتحدة حسب متابعات بقش، الأولى مذكرة تفاهم التزمت بموجبها باستثمار 250 مليار دولار، والثانية اتفاق لخفض الرسوم الجمركية المضادة، ما يجعل أي تغيير في الإطار الجمركي مؤثراً على هذه التفاهمات الاستراتيجية.
أما كوريا الجنوبية فسارعت إلى طمأنة الأسواق بأن قرار المحكمة العليا لن يؤثر على الإطار العام لاتفاق التجارة مع واشنطن، وعقد وزير الصناعة اجتماعاً طارئاً لتقييم التداعيات، مشيراً إلى أن الحكم ألغى الرسوم المتبادلة البالغة 15% المفروضة على البضائع الكورية بموجب قانون الطوارئ.
لكن وزارة التجارة أوضحت أن الرسوم المفروضة على السيارات والصلب، والتي تستند إلى تشريعات منفصلة، ستظل سارية، كما أكدت سيؤول أنها ستتابع أي إجراءات أمريكية لاحقة، بالتوازي مع استمرار المحادثات بشأن تنفيذ الاتفاق التجاري الذي تضمن التزامات استثمارية كبرى.
وتأتي هذه التطورات في ظل اتفاق سابق فرضت بموجبه الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 15% على واردات كورية، ضمن تفاهم تضمن التزاماً باستثمارات بقيمة 350 مليار دولار، وهو ما يعكس تعقيد المشهد بين التزامات استثمارية ضخمة وضغوط جمركية متواصلة.
أما فرنسا فأكدت امتلاك الاتحاد الأوروبي لـ”ترسانة” من الأدوات القانونية والاقتصادية للرد على قرار فرض الرسوم، ودعت إلى نهج أوروبي موحد يتضمن تفعيل أداة “مناهضة الإكراه” (ACI) التي قد تستهدف شركات التكنولوجيا الأمريكية أو فرض رسوم انتقامية على سلع بقيمة 90 مليار يورو.
وفي الهند اتخذت التطورات بُعداً سياسياً داخلياً، إذ دعت المعارضة الهندية حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى تعليق اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة وإعادة التفاوض على بنودها، وكانت الهند قد توصلت هذا الشهر إلى إطار مؤقت لخفض الرسوم على سلعها من 25% إلى 18%، مع إلغاء رسم عقابي إضافي بنسبة 25%. واعتبر مسؤولون في قطاع التصدير أن انتهاء الرسوم المتبادلة وفرض معدل موحد قد يخلق “ساحة تنافس متكافئة”، باستثناء قطاعات مثل الأدوية والإلكترونيات.
المحصلة أن المشهد الدولي مفتوح على كل الاحتمالات، وأن الاقتصاد العالمي يجد نفسه أمام مرحلة انتقالية غير مستقرة، بين حكم قضائي يحد من صلاحيات استخدام قوانين الطوارئ لفرض رسوم واسعة، يقابله تحرك تنفيذي سريع لفرض رسوم جديدة بأداة قانونية مختلفة، وبين هذا وذاك تقف الشركات والمستثمرون أمام حالة من عدم اليقين بشأن استدامة السياسات التجارية الأمريكية، وسط مساعٍ لاسترداد الأموال التي انتُزعت من خلال تلك الرسوم.


