تأجيل حاسم يربك الأسواق: المحكمة العليا الأمريكية تؤجل البت في رسوم ترامب الجمركية

الاقتصاد العالمي | بقش
أبقت المحكمة العليا الأمريكية، اليوم الأربعاء 14 يناير 2026، حالة الغموض قائمة بشأن مصير الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، بعد أن أصدرت ثلاثة آراء قانونية في قضايا أخرى دون أن تتضمن الحكم المنتظر في هذه القضية المفصلية.
ووفق متابعة مرصد “بقش”، جاء هذا التأجيل مخيّباً لآمال الأسواق والشركات التي كانت تترقب قراراً نهائياً يحسم الجدل القانوني حول مشروعية استخدام “قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية” (IEEPA) كأداة لفرض تعريفات تجارية واسعة النطاق.
وكانت المحكمة العليا الأمريكية أجّلت يوم الجمعة الماضي (09 يناير) قرار البتّ في الحكم على قانونية الرسوم الجمركية حتى اليوم الأربعاء، وهو ما أبقى الأسواق في انتظار قرارٍ من شأنه أن يكون له آثار بعيدة المدى على السياسة التجارية والوضع المالي للولايات المتحدة.
رهانات قانونية تتجاوز الرسوم
ولا تقتصر أهمية القضية على البعد التجاري المباشر، بل تمتد إلى مسألة أعمق تتعلق بحدود الصلاحيات الرئاسية في استخدام قوانين الطوارئ لأغراض اقتصادية.
فالحكم الذي كان مرتقباً اليوم، يحدد مستقبل آلية فرض الرسوم من دون العودة إلى الكونغرس، كما قد يفتح الباب أمام استرداد مليارات الدولارات التي دفعتها الشركات الأمريكية كمستحقات جمركية خلال السنوات الماضية، وتتراوح هذه المستحقات كلياً ما بين 150 و200 مليار دولار.
وأدى تأجيل الحكم إلى إبقاء مئات الشركات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، في دائرة ترقُّب ضاغطة، في ظل أزمة سيولة متفاقمة ناجمة عن الرسوم المرتفعة وعدم وضوح الرؤية.
وتؤكد تقديرات قطاع اللوجستيات التي يتابعها بقش أن هذا الغموض يعقّد قدرة الشركات على التخطيط المسبق للطلبيات، ويقيد قرارات الاستيراد والتوسع، خصوصاً بعد الانكماش الحاد الذي شهده التبادل التجاري خلال عام 2025.
سلاسل التوريد تحت ضغط الوقت
يتزامن تأجيل القرار مع مرحلة شديدة الحساسية في دورة التجارة العالمية، إذ كان أمام المستوردين موعد نهائي لا يتجاوز 20 يناير لترتيب شحنات الربيع والصيف، وضمان خروجها من المصانع الصينية قبل إغلاقها الموسمي مع حلول عطلة رأس السنة الصينية الجديدة في فبراير المقبل.
ويعني استمرار الضبابية أن العديد من الشركات قد تضطر إلى تقليص شحناتها أو تأجيلها، ما ينعكس مباشرة على توفر السلع والأسعار في الأسواق الأمريكية.
ويحرم استمرار تعليق الحكم الشركات من تدفقات نقدية كانت متوقعة في حال إقرار عدم قانونية الرسوم واسترداد المدفوعات السابقة.
ويرى محللون أن هذه السيولة، لو أُتيحت، كان من شأنها تحفيز زيادة أحجام الاستيراد، ودعم تعافٍ تدريجي في النشاط التجاري بعد عام صعب اتسم بتراجع الطلب وارتفاع التكاليف.
الإدارة الأمريكية وخيارات ما بعد الحكم
ورغم عدم صدور القرار، تشير مواقف سابقة لمسؤولين في الإدارة الأمريكية إلى أن الحكومة أعدّت مسارات قانونية بديلة تحسباً لصدور حكم سلبي من المحكمة.
وتقوم هذه البدائل على الاستناد إلى نصوص تشريعية أخرى تتيح للإدارة الاستمرار في فرض إجراءات تجارية تحقق أهدافها الاستراتيجية، ما يعني أن حسم القضية، حتى إن جاء ضد الإدارة، قد لا ينهي الجدل بالكامل.
وقد أطلق ترامب تحذيرات لافتة وصف فيها أي قرار بإلغاء التعريفات الجمركية بأنه سيقود إلى “فوضى عارمة”، وقال إن بلاده ستكون “في ورطة حقيقية” إذا حكمت المحكمة ضد هذه الرسوم، معتبراً أن تداعيات الإلغاء ستكون معقدة وطويلة الأمد.
وأوضح ترامب أن إلغاء التعريفات سيفتح الباب أمام الشركات والدول المتضررة للمطالبة باسترداد مبالغ ضخمة، وأضاف أن تحديد حجم هذه الأموال، والجهات الملزمة بالدفع، وتوقيت وآلية السداد، قد يستغرق سنوات، وتحمل هذه الأعباء سيكون شبه مستحيل على الاقتصاد الأمريكي.
وحسب اطلاع بقش على تقرير لـ”الغارديان” البريطانية، فإن هذه القضية تمثّل اختباراً قانونياً بالغ الحساسية لاستراتيجية ترامب التجارية المثيرة للجدل، كما تشير “بلومبيرغ” إلى أن محاكم أدنى درجة سبق لها ورأت أن ترامب تجاوز صلاحياته عندما استند إلى هذا القانون لتبرير ما يُعرف برسوم “المعاملة بالمثل” الواسعة، التي استهدفت شركاء الولايات المتحدة التجاريين، إضافة إلى رسوم منفصلة فُرضت على الصين وكندا والمكسيك.
وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز مطلع يناير الجاري، كان ترامب ألمح إلى إمكانية اللجوء إلى تراخيص الاستيراد إذا ألغت المحكمة الرسوم المفروضة، مؤكداً أن لديه “الحق في إصدار التراخيص”.
ووسط هذا المشهد، تتجه أنظار قطاع الشحن والشركات العالمية إلى الجلسات المقبلة للمحكمة العليا، باعتبارها محطة فاصلة في تحديد استراتيجيات المخزون والتسعير وتوقيت الطلبيات للفترة القادمة. وحتى ذلك الحين، سيظل الاقتصاد الأمريكي وأسواقه التجارية رهينة قرار مؤجل، تتعاظم كلفته مع مرور الوقت.


